حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٨٢لم يستنّ نجدة وأصحابه في البداية مبادئ جديدة، فكلّ ما كان يجمعهم هو تمسكهم بالمبادئ الأولى للحركة الخارجية ورفضهم ما تبنّاه نافع بن الأزرق من أحكام في خصوص القعدة والمخالفين. وقد جاء موقف نجدة وأتباعه من هذه المسائل مطابقاً تماماً الموقف خوارج البصرة، ولذلك فإنّه لا يمكن الحديث في هذه المرحلة عن «النجدات» كمجموعة متميزة فكريا عن بقية الخوارج باستثناء الأزارقة إلا أن تطوّر هذه الحركة وتكتف نشاطها أدى إلى وقوع أحداث عديدة جعلت نجدة يُصدر أحكاماً ويتبنى مواقف كوّنت فيما بعد المبادئ الأساسيّة لهذه المجموعة، ولعلّ أبرزها مبدأ الجاهل معذور بجهله السابق ذكره والذي تفرعت عنه مبادئ أخرى.
أمّا المبادئ الخارجية التي تبناها نجدة وأكد التزامه بها ودفاعه عنها في الرّسالة التي بعثها إلى نافع بن الأزرق، فلا يرد في الرّوايات ما يفيد تطبيقه. لها. ولعلّ عدم تشبع نجدة بالفكر الخارجي ورغبته في تقوية حركته والسيطرة على شبه الجزيرة بأسرع ما يمكن جعلاه لا يتقيد كثيراً بهذا الفكر ويجتهد عند الضرورة بتبني مبادئ أخرى تكون أكثر ملاءمة لواقع الحركة ومصالحها. ومن هنا جاءت مجمل أحكام نجدة ومبادئه التي ذكرناها سابقاً والتي كانت أحد أسباب ثورة الخوارج عليه. أما المبدأ القائل بجواز عدم وجود إمام، الذي تذكر كتب الفرق أنّ النجدات تبنوه وتميزوا به عن سائر الخوارج، فلا يوجد ما يشير إلى تبنيهم له خلال الفترة المذكورة. والأرجح أنه ظهر في مرحلة متأخرة، وقد يكون أنصار نجدة الذين انشقوا عن أبي فديك هم الذين تبنوه، إذ إنّهم لم يختاروا قائداً لهم بعد مقتل زعيمهم
نجدة.
أمّا على المستوى القَبَلي:، فقد جمعت الحركة عناصر من قبائل مختلفة إلا أن سيطرة قبيلة حنيفة كانت واضحة. شخصاً أمكن تحديد انتمائهم القبلي ثمة. من جملة عشرين تسعة منهم من بني حنيفة، وهو ما يجعل نسبة مشاركة هذه القبيلة تُقارب النّصف. أمّا العناصر الأخرى فهي من باقي قبائل بكر بن وائل مثل سدوس ويشكر، بالإضافة إلى عبد القيس وقيس بن ثعلبة ولعلّ ما يلفت الانتباه هو الغياب الكلي لقبيلة تميم التي دائماً العمود الفقري للحركة الخارجية في العراق. إذ لم يبق أبناء تميم في شبه الجزيرة خارج الحركة فحسب، بل تصدوا لها وحاربوها رغم روابط الدم التي كانت تجمعهم بنجدة، كما تصدّى لهذه الحركة أبناء قبائل أخرى مثل طيء.
شكلت
ويظهر أن التنافس القبلي هو أحد الأسباب المفسِّرة لهذا الموقف. فقد رأت بعض القبائل في سيطرة الخوارج عليها مباشرة أو بواسطة دفع الصدقات خضوعاً لقبيلة حنيفة، وهو موقف دعمه نجدة بتصرفاته التي كانت أقرب إلى تصرفات شيخ قبيلة منها إلى تصرفات زعيم سياسي. فقد قرّب أبناء حنيفة وولاهم المناصب والقيادات العسكرية، كما قرّب أشخاصاً لا علاقة لهم بالحركة وحاول كسب ولائهم بالأموال.
182