حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٨٣ولم تُبعد هذه التصرّفات عن الحركة بعض القبائل فحسب، بل جعلت عدد أتباعها محدوداً لم يتجاوز في أحسن الحالات ثلاثة آلاف شخص كان بعضهم لا يدين بالولاء المبادئ الحركة بل لنجدة شخصيا، وهو ما جعل اللحمة التي تجمع أفرادها ضعيفة، وسهل بالتالي انقسامها وتشتتها. ولعلّ تأثير العامل القبلي هو الذي جعل نجدة يحيد عن المبادئ الخارجيّة بسهولة وهنا يكمن وجه الاختلاف بينه وبين زعماء التيارات الأخرى مثل نافع بن الأزرق وصالح بن مسرح التميمي زعيم خوارج الجزيرة الفراتية. 3 - انتفاضة خوارج الجزيرة الفراتية
يُعدّ تحرّك الخوارج الذي شهدته منطقة الجزيرة الفراتية آخر التحركات الخارجية المنظمة التي شمل نشاطها مناطق شاسعة، وتطلب القضاء عليها مجهودات كبيرة من قبل الدولة الإسلامية في القرن الأول هجري. وتبدو هذه الانتفاضة مختلفة عن سابقاتها، فهي لم تنبثق من وسط التكتل الخارجي الذي تكوّن إبان حصار مكة في خلافة يزيد بن معاوية، كما جاء اندلاعها في فترة متأخرة وفي ظروف سياسية مختلفة عن السابقة. فقد اندلعت الانتفاضات الخارجية السابقة زمن الفتنة، وتوسع نشاطها نتيجة الاضطرابات والحروب التي وقعت في تلك الفترة، أمّا خوارج الجزيرة فقد اندلعت انتفاضاتهم بعد مقتل عبد الله بن الزبير وتوحيد الإمبراطورية وعودة الأمويين إلى الحكم من جديد. لكن رغم هذه الاختلافات فالمتتبع للروايات يبدو له واضحاً أنّها لم تكن منفصلة تماماً الأحداث عن السابقة كما لم يكن اندلاعها بعيداً عن جوّ الفتنة. فالصراع الخطير الذي كان يشق الأمة الإسلامية وانتهى بمقتل ابن الزبير المُعارض الرئيسي للأمويين، لم يمنع من تواصل النزاع المسلّح بين المسلمين خاصةً في طرفي الإمبراطورية الشرقي والغربي. كما أن لحمة الأمة التي أضعفتها الصراعات المتواصلة لم تكن قد التثمت بعد، لذلك رأينا إدراج دراسة هذه الانتفاضة ضمن بقيّة الانتفاضات التي اندلعت ونشطت زمن الفتنة. أما المصادر الخاصة بدراستها فتكاد تقتصر على كتاب الطبري (1) الذي يضمّ روايات عديدة تحتوي على تفاصيل دقيقة وضافية عنها. غير أنّ هذه المعلومات تظلّ رغم وفرتها غير كافية للقيام بدراسة موضوعية ومتكاملة وذلك لسببين على الأقل: أولهما، عدم اهتمامها بمختلف الجوانب وتركيزها أساساً على الوقائع العسكرية، وثانيهما اعتمادها على مصدر أساسي هو أبو مخنف المعروف بكرهه للخوارج. إلا أنّ ما قد يحدّ من الشكّ في صدق هذه الروايات هو أن أغلبها منقول عن عناصر خارجيّة شاركت في هذه الانتفاضة. أمّا كُتب الفرق والمقالات فمعلوماتها عن هذه المجموعة قليلة لا تتعدى بعض الروايات (1) أخذ عن الطبري أغلب الرّواة المتأخرين، لذلك نجد الروايات نفسها بالتسلسل ذاته تقريباً في كتاب ابن الأثير الكامل، ج 4، ص 41 - 61، وكتاب ابن كثير، البداية والنهاية، ج 9،
(1)
ص
10
20
183