حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

المتداخلة والمتناقضة نجده في كتاب الطبري، وهو ما يجعل دراسة نشاطها يعتمد أساساً على كُتب التاريخ العام وخصوصاً تاريخ الطبري.

إن أولى الرّوايات التي تتحدّث عن وجود مجموعة من الخوارج في منطقة الجزيرة الفراتية يوردها الطبري ضمن أحداث سنة 75 هـ ويذكر فيها بداية تحرّك بعض أفراد هذه المجموعة بقيادة صالح بن مسرح (1). إلا أن تتبع بقية الروايات يثبت وجود هذه المجموعة منذ سنوات طويلة وانتماء أفرادها إلى دارا (2) ونصيبين والموصل (3) وغيرها من مدن الجزيرة وارتباطها بصالح بن مسرّح أحد كبار الخوارج. وإذا كانت المصادر لا تولي هذه المجموعة في حد ذاتها أهمية فإنّ اهتمامها بنشاط قائدها يُساعد على تكوين فكرة عنها. فصالح بن مسرح هو أحد زعماء الخوارج اشتهر بالزهد والتنسك وكثرة العبادة (4) وهي صفات يذكر الرّواة تميّز أغلب الخوارج بها وخصوصاً الأوائل منهم. أما عن نشاطه السابق ومكانته داخل الحركة الخارجية، فلا تذكر المصادر سوى ارتباطه بخوارج الكوفة وتنقلاته المستمرة بين هذا المصر وبقية مدن الجزيرة خاصة الموصل وما حولها. ويظهر ذلك من خلال إشارة وردت على لسان أحد القادة الذين أرسلوا للقضاء على هذه الانتفاضة يقول فيها واصفاً ابن مسرح: «إنّه زعيم الخوارج منذ عشرين سنة (5). وإذا صح هذا القول، فإن بروز صالح وانطلاق نشاطه يكون ما بين سنتي 55 و 56 هـ أي بعد موت والي العراق زياد بن أبي سفيان وحصول تغييرات هامة في الكوفة بسبب التعاقب السريع للولاة على هذا المصر. فقد يكون هامش الحرية الذي توفّر للخوارج في تلك الفترة مكن صالح بن مسرح من تكثيف نشاطه والبروز كزعيم في الكوفة والجزيرة.

صار صالح ينتقل بين الكوفة ودارا ونصيبين وماردين (6) والموصل وغيرها ويتصل ببعض الخوارج، فيقرؤهم القرآن ويفقههم ويقص عليهم). وهو ما مكنه من تكوين

215

(1) تاريخ الطبري، ج 6، ص (2) دارا بلدة في كف جبل بين نصيبين وماردين من بلاد الجزيرة ذات بساتين ومياه جارية: ياقوت

،2

البلدان، ج ص

0418

الحموي، معجم (3) الموصل مدينة قديمة على طرف دجلة هي باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يُقصد إلى أذربيجان::

البلدان، ج، ص

ياقوت الحموي، معجم البلدان.

(4) تاريخ الطبري، ج 6، ص

(5) المصدر نفسه،

6،

ج ص

0216

223.

(6) ماردين: قلعة مشهورة على قمة جبل الجزيرة مشرفة على دارا ونصيبين: ياقوت الحموي، معجم البلدان،

ج 5، ص 39

(7) تاريخ الطبري، ج 6، ص 216.

184