حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٨٥مجموعات من الأتباع تسميهم المصادر أصحاب صالح (1)، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن التفافهم حوله كان لأسباب فكرية إيديولوجية.
أما القصص التي كان صالح يقصها على أصحابه فيظهر من خلال ما أورده أبو مخنف (2) أنّها شبيهة بخطاب تتداخل فيه الجوانب الدينية والسياسية. ففي بدايتها نجد آيات من القرآن مصحوبة بدعاء، ثم تليها قراءة للأحداث السابقة منذ ظهور الإسلام مع تركيز على فترة النبوّة وأعمال الخلفاء الأوائل وسيرتهم، وتقييم لمختلف الفترات حيث يمجد صالح أعمال الشيخين ويُدين تجاوزات عثمان وتحكيم علي الرجال في الصراع بينه وبين معاوية ويتبرأ منهما. وينتهي الخطاب بالتحريض على الثورة وجهاد الأحزاب المتحزبة وأيمة الضلال الظلمة التركيز على الاستشهاد وترغيب الناس فيه. كان صالح يجمع بهذه القصص الأنصار حوله ويعدّهم للخروج، لكن الأحداث التي شهدتها الدولة الإسلامية وخصوصاً إبان الفتنة تظهر أنه لم يكن رغم عمله المتواصل ينتظر الفرصة المناسبة للثورة. فالوضع السياسي الذي ساد بعد موت يزيد بن معاوية وحالة الفوضى التي عرفتها الامبراطورية الإسلامية لم تحرّك هذه المجموعة ولم تدفعها إلى الخروج مثل المجموعات المعارضة الأخرى. ويدعو هذا الموقف إلى التساؤل عن الأسباب التي جعلت صالحاً وأصحابه لا يعلنون انتفاضتهم إبان الفتنة؟
لئن يصعب من خلال الرّوايات تقديم إجابة صحيحة ومقنعة عن هذا السؤال فالظاهر أن صالحاً لم يكن يرى ضرورة للخروج طالما أن وضعية أصحابه غير مهدّدة بصورة مباشرة، وأن هناك إمكانية للنشاط بدون مشاكل وضغوطات. ويذكرنا موقف صالح بن مسرح بموقف القعدة من خوارج البصرة، مثل أبي بلال بن مرداس الذي كان يرفض الخروج ولا يراه ضرورياً رغم ظلم الولاة الأمويين واستبدادهم. إلا أن موقف القعود الذي تبناه صالح بن مسرّح لم يثنه عن مواصلة نشاطه أثناء الفتنة وفي السنوات الأولى التي تلت عودة العراق والجزيرة إلى الحكم الأموي وإلى حدود سنة 75 هـ (3)، تاريخ انطلاق ثورته، 75 هـ وهو ما قد يفيد حصول تحوّلات دفعته إلى الخروج فما هي هذه التحولات يا ترى؟ أ ا - أسباب تحرّك خوارج الجزيرة يقول أبو مخنف عن سبب الخروج: إنّ صالحاً حج سنة 75 هـ ومعه شبيب بن يزيد وسويد والبطين وأشباههم. وحجّ في الموسم نفسه عبد الملك بن مروان فهم شبيب بالفتك. به وبلغ عبد الملك خبرهم فكتب إلى الحجّاج يأمره بطلبهم، فلما طلب الحجاج
218.
218 - 217
(1) المصدر نفسه، ج 6، ص (2) انظر محتوى هذه القصص في: تاريخ الطبري، ج 6، ص (3) تاريخ الطبري، ج 6، 215؛ ابن الأثير، الكامل، ج 4، ص 41.
185