حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

صالحاً فرّ من الكوفة (1) وخرج بعد ذلك بقليل. ويضيف في رواية ثانية يستهلّ بها أحداث سنة 76 هـ سبباً آخر لخروج صالح وأصحابه ألا وهو تفشي الجور والظلم وابتعاد الولاة الأمويين عن الحق (2)

،

وتبدو هذه الأسباب رغم أهميتها غير كافية لتفسير قرار الخروج لأن طرد صالح من الكوفة ليس له تأثير كبير على نشاطه نظراً لعدم إقامته فيها ووجود أغلب أصحابه في الجزيرة. كما أن ما يذكره عن ظلم الولاة الأمويين وجورهم ليس جديداً إذ عرف السكان مثيلاً له في ولاية زياد وابنه عبيد الله، بالإضافة إلى عدم وجود ما يفيد تعرّض الخوارج دون غيرهم لهذا الجور. ولذلك، فإنّ هذه الأسباب لا تفسّر وحدها خروج صالح وأصحابه، والأرجح أن هناك أسباباً أخرى.

يبدو أن التعديلات الإدارية الجديدة التي أدخلها عبد الملك بن مروان على ولاية الجزيرة كانت من بين الأسباب التي دفعت الخوارج للثورة. فهذه المنطقة التي شهدت إبان الفتنة اضطرابات خطيرة بسبب الصراع القَبَلي الحادّ بين قيس وتغلب (3) والتحرّكات البيزنطية على حدودها (4)، كانت أولى المناطق التي تدخلت السلطة الأموية لإعادة تنظيمها بهدف إقرار الأمن فيها. وقد اتخذ عبد الملك لهذا الغرض جملةً من الاجراءات أهمها تعيين محمد بن مروان والياً على الجزيرة مع ضمّ مدينة الموصل إلى هذه الولاية. ويرى محمد عبد الحي شعبان أن التنظيم الجديد الذي لم يعترض عليه أحد من الكوفة رفضه الخوارج لأنه أفقدهم حرية التحرّك في تلك المنطقة، ودفعهم بالتالي إلى اعلان الثورة ضدّ السلطة الأموية (5). ولئن ضايقت هذه الإجراءات الخوارج ومنعتهم من مواصلة نشاطهم بحريّة في منطقة الجزيرة وخاصة في الموصل، فالأكيد أن تعيين الحجاج بن يوسف الثقفي والياً على العراق قد زاد في تضييق الخناق عليهم ومنعهم من مواصلة الاتصال بأصحابهم في الكوفة. فالوالي الجديد الذي عينه عبد الملك بن مروان خصيصاً لتنظيم العراق وإحكام السيطرة عليه كان يدرك أن نجاح مهمته رهن بالسّياسة التي سيتبعها، لذلك عمد منذ اللحظة الأولى إلى توخي أسلوب الشدّة والقمع إزاء كلّ المخالفين من دون استثناء لتجميد كلّ تحرّك أو نشاط للمعارضة الخارجية أو غيرها. والظاهر أن هدف الحجّاج من وراء هذه السياسة لم يكن تجميد نشاط المعارضين فحسب بل إخماده نهائيا، ومن هنا جاءت مراقبته لتحركات

215؛ ابن الأثير الكامل، ج (1) تاريخ الطبري، ج 6، ص (2) تاريخ الطبري، ج 6، ص 218

(3) انظر تفاصيل هذا الصراع في كتاب البلاذري، انساب الأشراف،

(4) المصدر نفسه،

ج

335

(5) شعبان صدر الإسلام والدولة الأموية،

ص

121 - 120

ص

ج

{\

ص

332 - 309

186