حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٩٢(1)
(1). لكن يبدو أنه لم يكن السبب الحقيقي لهذه العملية، والدليل على ذلك أنّ شبيباً حاول مرّات أخرى دخول الكوفة، وقد تمكّن من الإقامة في أحوازها في الفترة الأخيرة من تحركه حيث بنى مسجداً يحمل اسمه (2)
ويدفعنا هذا الاستنتاج إلى البحث عن الدوافع الحقيقية لهذه الأعمال. فهل كان شبيب يريد الاستيلاء على الكوفة للإقامة مع أصحابه فيها؟ أم كان يريد تحدّي الحجاج
وإظهار عجزه فقط؟ يبدو أن فكرة الاستيلاء على الكوفة كانت تراود شبيباً، إذ يذكر أبو مخنف في إحدى رواياته أن الحجاج جهز جيشاً كبيراً عليه مجموعة من الأمراء لمحاربة الخوارج في وقت كان فيه جيش آخر يُحاربهم. ولما هزم شبيب الجيش الأول قال لأصحابه: «إنّ هزيمتنا هذا الجند قد أرعبت هذه الأمراء والجنود التي بعثت في طلبكم، فاقصدوا بنا قصدهم. فوالله
لئن نحن قتلناهم ما دون الحجّاج من شيء وأخذ الكوفة إن شاء الله (3) لكن تحقيق هذا الهدف لم يكن سهلاً، فشبيب لا يستطيع عمليّا السيطرة على هذا المصر والبقاء فيه بهذه المجموعة الصغيرة من المقاتلة لأنّ ذلك يتطلب قوّة مادية وبشرية قادرة على الدفاع عن هذا المركز والتصدّي للجيوش الكبيرة، وهو ما كان يفتقده شبيب وكان بسببه دائم التنقل، هذا بالإضافة إلى عداء الخوارج الكبير للمدن وحرصهم على الخروج منها والقيام بتحركاتهم بعيداً عنها. وقد ظهر ذلك في انتفاضاتهم السابقة وخصوصاً انتفاضة الأزارقة التي حاصر الخوارج خلالها البصرة عدّة مرّات وكان بإمكانهم دخولها والسيطرة عليها لكنهم أحجموا عن ذلك. وهذا ما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنّ شبيباً كان حريصاً على دخول الكوفة لا للبقاء فيها وإنما لتحدّي الحجّاج وإظهار عجزه وربما للإغارة كذلك على هذه المدينة لأنها رمز السّلطة والتسلّط.
كانت الانتصارات المتتالية التي حققها الخوارج على الجيوش العديدة التي كوّنها الحجاج قد جعلتهم مصدر خوف ورعب للجميع. فقد كان المقاتلة الذين يُرسلون إليهم كثيراً ما يصيبهم الفزع والهلع قبل المواجهة، فيقبلون نحو شبيب وكأنّما يساقون إلى الموت» (4). وقد بلغ الخوف بهم حدا جعل مقاتلة أحد هذه الجيوش يفرون من المدائن إلى الكوفة بمجرد سماعهم خبر قدوم شبيب الذي كان في تكريت (5) بعيداً عن المدائن (6)
0454
347 ابن خلكان وفيات الأعيان، ج 2، ص (1) المسعودي، مروج الذهب، ج
ص
(2) تاريخ الطبري، ج 6، ص
(3) المصدر نفسه،
،،
ج
(4) المصدر نفسه،
ج
269. 244.
(5) تكريت: بلدة مشهورة تقع بين بغداد والموصل: ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 2، ص 38
(6) تاريخ الطبري، ج 6،
مر
230
192