حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٠١(1)
مقتل صالح بن مسرح يقفون على قبره ويحلقون رؤوسهم ويبدو أن خوارج الجزيرة قد تأثروا بأعمال الشيعة الذين صاروا منذ حركة التوابين يقفون على قبر الحسين ويبكون عنده. لكن البكاء على القبور لم يصبح من العناصر الحسية لدى الخوارج مثلما صار عند الشيعة،
كما أنّه لم يشمل على ما يبدو الخوارج المنتشرين في جميع أنحاء الإمبراطورية. أما عملية حلق الرأس، فالظاهر أنها تدخل كما في الجاهلية، في إطار التعبير عن الحزن العميق الذي يشعرون به إلاّ أنّ مشاركة النساء في هذه العملية بحلق رؤوسهن قد يكون لها مغزى آخر غير التعبير عن الحزن العميق، وهو على ما يبدو الرغبة في التخلي عن الشهوات والابتعاد عن اللذات الحسية والتفرّغ كليا للنّضال والمغزى نفسه نجده عند سكان الشرق القديم وعند رجال الدين المسيحيين خاصة (3). وما يجعلنا نميل إلى تصديق هذا الافتراض وجود بعض الأشعار لنساء من الخوارج عبرن فيها بوضوح عن هذا الزهد وهذه الرغبة في الابتعاد عن ملذات الدنيا (3)
(Y)=
ما نستنتجه في نهاية هذا الفصل هو أن تحركات الخوارج إبان الفتنة الثانية قد تكتفت مستفيدة من الأحداث التي عرفتها الدّولة الإسلامية بعد موت يزيد بن معاوية. ورغم الانقسام المبكر الذي شهدته الحركة، فإن العديد من المجموعات الخارجية نجحت في تنظيم صفوفها والقيام بتحركات ضخمة.
كانت انتفاضة الأزارقة التي شهدتها المناطق الشرقية للإمبراطورية أكثر التحركات
الأنصار
أهمية، فقد تمكنت - رغم تطرّف مبادئها وعنف قادتها - من استقطاب عدد كبير من من العرب والأعاجم خصوصاً من سكان المناطق التي كان لها نشاط فيها. أما انتفاضة الخوارج في شبه الجزيرة العربية بقيادة نجد الحنفي فقد كان عدد المشاركين فيها محدوداً اقتصر على سكان بعض المناطق وخصوصاً اليمامة والبحرين لكن ذلك لم يمنع القائمين بها من السيطرة على مناطق شاسعة وتهديد نفوذ ابن الزبير في الحجاز. ولم تستقطب انتفاضة خوارج الجزيرة الفراتية التي اندلعت في أواخر الفتنة بدورها سوى عدد محدود من الخوارج من بني شيبان خاصة، لكنها نجحت في توسيع مجال نشاطها ليشمل بالإضافة إلى الجزيرة الفراتية مناطق شاسعة داخل العراق.
استمرت هذه الانتفاضات الخارجية عدة سنوات واستفاد الثائرون من اضطراب الأوضاع في الدولة الإسلامية بسبب الصراع بين ابن الزبير والأمويين فكتفوا نشاطهم ووسعوا نطاقه. ولم تنجح الجيوش التي أرسلت إليهم - رغم ضخامة عددها وحنكة قادتها -
(1) ابن قتيبة المعارف ص
0410.
CHEVALIER (J) & GHEERBRANT (A)، Dictionnaire des symboles، Paris، 1982، pp. 955 - 956. (Y)
128
(3) إحسان عبّاس شعر الخوارج ص
201