حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٠٣

الفصل الثالث

أنشطة الخوارج بعد الفتنة الثانية:

فتور في المركز وحيوية في الأطراف

عرفت السنوات الأولى التي تلت مقتل عبد الله بن الزبير كما بينا سابقاً تواصل الانتفاضات ولا سيما في أطراف الإمبراطورية. ولئن ركّزت الدولة مجهوداتها على إخماد تلك الانتفاضات، فإنّها أولت كذلك عناية للمناطق التي كانت خاضعة للحكم الزبيري حتّى تتجنب قيام تحركات فيها. وقد حظي العراق باهتمام خاص باعتبار أنه أكثر الأقاليم قابلية للانفجار ضدّ الأمويين. وقد كانت الرغبة في إحكام السيطرة على هذا الإقليم وراء تعيين وال اشتهر بالشدة والقسوة وهو الحجاج بن يوسف الثقفي. وإذا كان عنف الحجاج ومن تلاه من الولاة لم يمنع قيام بعض التحركات (1)، فإنّه أدخل الرّعب في نفوس السكان حتى صار أغلبهم يخشى القيام بنشاط علني ضدّ السلطة، فتراجعت بذلك حدة الانتفاضات في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني هجري. ومال أغلب الخوارج الموجودين في هذا الإقليم بدورهم إلى الهدوء مفضّلين التعبير عن معارضتهم للأمويين بأشكال أقل خطورة من العمل العسكري، وهي النشاط الفكري والدعوة السرية. إلا أن هذا الهدوء لم يمنع خوارج المناطق الأخرى خاصة الجزيرة العربية والجزيرة الفراتية من القيام ببعض التحركات العسكرية، كما مكن نشر الفكر الخارجي في بعض مناطق الأطراف من قيام انتفاضات فيها. ويمثل تتبع مختلف أنشطة الخوارج خلال تلك الفترة وبيان تأثيراتها المختلفة موضوع هذا الفصل. وهي عملية لا يُمكن القيام بها اعتماداً على مصادر التاريخ العام وحدها لأنّ

(1) أبرز الانتفاضات التي وقعت في العراق خلال ولاية الحجاح هي انتفاضة أشراف البصرة بقيادة عبد الله بن الجارود سنة 76 هـ، وانتفاضة الزنج، وانتفاضة المطرّف بن المغيرة بن شعبة التي تزامنت مع تحركات خوارج الجزيرة الفراتية وأخيراً ثورة ابن الأشعث التي تواصلت أكثر من سنتين ولعلها أكبر الثورات وأهمها على الإطلاق. انظر تفاصيل كلّ هذه الثورات في: المصدر المنسوب للبلاذري، ج 11، 303 - 359؛ وكذلك في: تاريخ الطبري، ج 6، ص 210 - 211، ص

ص 280

1 28 - 290، ص

-336

203

0374