حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨غير أنّ هذه التحولات لم تخلق على ما يبدو لحمة بين القبائل إذ ظلت الانقسامات
حية. وظهر ذلك بوضوح إبان انتفاضة نجدة الحنفي، فقد عارض أبناء عبد القيس وعناصر قبلية أخرى دخول الخوارج البحرين في حين أيّده الأزديون ورحبوا به
(1)
كما يظهر هذا الانقسام من خلال انتفاضات خوارج البحرين التي اندلعت في تلك الفترة. فقد قاد كلّ هذه التحركات أبناء عبد القيس، وكان أغلب المشاركين فيها من هذه القبيلة. ولئن كان عدد الخارجين محدوداً، فإنّ مساندة عبد القيس لهم كانت هامة إذ كان رفض العبديين طلب عامل البحرين محمّد بن صعصعة المشاركة في إخماد تحرّك الريان عاملاً حاسماً في انتصار الخوارج وفرار ابن صعصعة ولم تتمكن الدولة من إخماد هذه الانتفاضة واستعادة السيطرة على البحرين إلا لما تدخل الجيش الشامي (2). كما ساعد أبناء عبد القيس داود بن محرز على إنزال جثة الريان وأصحابه المصلوبين ودفنهم أمّا قبيلة الأزد، فقد كان موقف أبنائها مناقضاً تماماً لموقف عبد القيس إذ عارضوا تحرّكات الخوارج، وساهم العديد منهم إلى جانب الدّولة في القضاء عليها. فقد كوّن منهم محمد بن صعصعة جيشاً يقوده عبد الله بن عبد الملك العوذي للقضاء على تحرّك الريان (4)، كما قاد عبد الرحمن العوذي بدوره جيشاً لمحاربة داود بن
(3)
محرز (ه)
ولا يُمكن تفسير تضارب مواقف قبائل البحرين وخاصةً قبيلتي الأزد وعبد القيس بالتنافس القبلي. وحده. فالأكيد أنّ الحمية القبلية التي لم تضعف كثيراً في البحرين رغم الولاء للدّولة كانت ما زالت تؤثر في مواقف السكان، إنما توجد أسباب أخرى تفسّر بدورها هذه المواقف المتباينة، منها تضارب مصالح القبيلتين: فعبد القيس لما رفضت دخول نجدة الحنفي البحرين لم يكن ذلك بدافع العداء لحنيفة فحسب بل كذلك لحرصها على المحافظة على مكانتها في المنطقة باعتبارها أهم قبائلها. أما الأزد فقد رحبوا بنجدة وانضموا إلى صفوفه ليتمكنوا من تعزيز موقفهم ويحدّوا من طموح أبناء عبد القيس.
ولما تم القضاء على انتفاضة نجدة وانتهت الفتنة لم يغيّر حكّام بني أمية الجدد على ما يبدو سياستهم في البحرين وأحسّ السكان أنّ أوضاعهم ستزداد تدهوراً فثار بعضهم ضدّ الأمويين متبنين الفكر الخارجي الذي يدعو إلى الثورة ضد الظلم والاستغلال.
(1) المصدر المنسوب للبلاذري، ج 11، ص 131.
(2) تاريخ خليفة بن خياط، ج 1، ص 277.
(3) البلاذري، انساب الأشراف، ج 6، ورقة 42 أ ذكره عبد الكريم النجم البحرين في صدر الإسلام
ص 136).
(4) تاريخ خليفة بن خياط، ج 1، ص 277.
(5) المصدر نفسه، ج 1، ص 278.
208