حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢١٠

العصر الأموي المتأخر انطلقت من هذه المنطقة (1). وإذا كانت تحرّكات خوارج الجزيرة كثيرة، فإنّها لم تكن ذات أهمية لتشتها وقلة المشاركين فيها، وهو ما سهل على الولاة التغلب عليها ولذلك لم يذكرها أغلب الرواة. ولا نجد باستثناء بعض الإشارات العابرة معلومات يُمكن من خلالها حصرها أو تحديد أسباب اندلاعها والنتائج المنجرة عنها. وتعتبر انتفاضة بسطام اليشكري في خلافة عمر بن عبد العزيز وانتفاضة البهلول بن بشر الشيباني في خلافة هشام بن عبد الملك من أبرز انتفاضات الجزيرة. ومن خلالهما سنحاول تسليط الضوء على وضعية خوارج هذه المنطقة وما تميزت به تحركاتهم. أما انتفاضة الضحاك الشيباني التي ستعرفها هذه المنطقة في نهاية الحكم الأموي، فسنفرد لها جزءاً خاصًا في آخر هذا الفصل لارتباطها بأحداث وقعت في تلك الفترة.

(2)

كان اندلاع انتفاضة بسطام المشهور بشوذب إثر تولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة (2). ولئن لا يذكر الرواة سبباً لاندلاعها فالظاهر أنّ لها صلة بالتحوّلات التي عرفتها الدولة الإسلامية إثر وصول عمر إلى السلطة وما أبداه هذا الخليفة من رغبة في إصلاح ما أفسده الخلفاء الأمويون. فقد يكون قرار بسطام وأصحابه الخروج في تلك الفترة بمثابة الاختبار لصدق نوايا عمر الإصلاحية، ورغبة في التعرّف على مدى استعداده لرفع المظلمة التي سلّطها الأمويون على المعارضين وخصوصاً الخوارج.

(3)

اختلف ردّ فعل عمر بن عبد العزيز إزاء هذا التحرّك عن ردّ فعل أسلافه. فقد كتب لما بلغه خبر خروجهم إلى واليه على العراق يطلب منه أن يرسل جيشاً إلى الخوارج لا يحاربهم إلا إذا سفكوا دماً أو أفسدوا في الأرض» (3). كما كتب إلى بسطام يسأله عن خروجه ويدعوه إلى مناظرته. فلم يحرّك بسطام شيئاً وكتب إلى عمر يقول: قد أنصفت وقد بعثت إليك رجلين يُدارسانك ويُناظرانك» (4)

ويختلف الرّواة عند تعرضهم للمواضيع التي دار حولها النقاش بين عمر ومبعوثي بسطام. إذ يذكر ابن عبد الحكم أنّ الرّجلين وضعا شرطاً واحداً لإنهاء التحرّك، وهو أن يبرأ عمر من أهل بيته السابقين ويلعنهم (5)، في حين يذكر أبو عبيدة أن النقاش دار حول

(

1

(1) فلهوزن أحزاب المعارضة السياسية، ص 101. (2) كان خروج بسطام سنة 100 هـ بعد أشهر من وصول عمر بن عبد العزيز إلى السلطة: تاريخ الطبري، ج 6، ص 555.

(ص)

(3) تاريخ الطبري، ج 6، ص 555 - 556؛ ابن الأثير، الكامل، ج 4، ص 155. (4) ابن عبد الحكم سيرة عمر بن عبد العزيز مصر 1954، ص 108 - 142؛ تاريخ الطبري، ج 6، 108

ص 556.

(5) ابن عبد الحكم سيرة عمر بن عبد العزيز، ص 109.

210