حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢١١(1)
مسألة العهد ليزيد ومحاولة الخوارج إقناع عمر بضرورة التخلّي عنه، ويضيف أنّ هذا الطلب هو الذي دفع الأمويين إلى قتل عمر خوفاً من أن يخلع يزيداً ويُخرج الخلافة منهم وبقطع النظر عن مدى صحة هذه الرّوايات، فالأكيد أن مسألة الخلافة كانت من بين المسائل المطروحة أثناء هذا النقاش، وأن مبعوثي بسطام قد ركزا عليها بصفة خاصة باعتبارها المشكل الأساسي والمفتاح لحل المشاكل الأخرى. ويبدو أن تخوّف الخوارج من عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه بعد خلافة عمر هو الذي جعلهم يطلبون منه عدم تنفيذ الوصيّة التي تقضي بانتقال الخلافة بعده إلى يزيد بن عبد الملك. ولا ريب في أنّ ما أظهره هذا الخليفة من تفهم وما قام به من محاولات لإصلاح الوضع قد شجعهم على مطالبته بهذا العمل. إلا أننا نستبعد أن يكون عمر قد قبل النظر في هذا الطلب أو أن إمكانية قبوله له كانت واردة كما توحي بذلك رواية أبي عبيدة لأن عمراً كان يعرف جيداً أنه لا يستطيع خلع يزيد لأن ذلك سيكون بمثابة الطعنة في الصميم للشرعية الأموية القائمة على احترام ولاية العهد، وهو أمر يرفضه كل أفراد البيت الأموي بما في ذلك عمر نفسه. ومهما كان موقفه من الحكّام الأمويين، فالأكيد أنه لم يكن يرى الإصلاح بالتراجع عن مبدأ الوراثة في الحكم. لم تؤد المفاوضات بين الخليفة ومبعوثي بسطام إلى اتفاق. ثم جاء موت عمر المفاجئ ليُبعد كل إمكانية لإنهاء هذا التحرّك بالطرق السلمية، فقد أمر والي العراق الجيش الذي بعثه إلى بسطام بقتال الخوارج منذ أن بلغه خبر موت عمر (2)، لينال بذلك حظوة لدى الخليفة الجديد (3). إلا أن جيش الكوفة لم يتمكن من الصمود أمام الخوارج الذين ألحقوا به هزيمة نكراء وطاردوه إلى مشارف الكوفة. وقد قام والي العراق بإرسال جيوش عديدة عجزت كلها عن إلحاق الهزيمة ببسطام وأصحابه رغم أن عددهم لم يكن يتجاوز عند الخروج ثمانين فارساً (4) على حد قول أبي عبيدة. وقد أدخلت انتصارات الخوارج المتتالية الرعب في نفوس سكان الكوفة ودفعتهم إلى الالتجاء إلى مسلمة بن عبد الملك الذي (ه) أرسل جيشاً كبيراً يقوده سعيد بن عمرو الحرشي قضى على هذه الانتفاضة سنة 101 هـ) أما تحرّك البهلول بن بشر الشيباني الملقب بكثارة، فيبدو مختلفاً عن السابق من حيث أسباب اندلاعه والظروف التي أحاطت به فقد تميّز الوضع الداخلي في الإمبراطورية الإسلامية عند اندلاع هذا التحرك سنة 119 هـ (6) بالهدوء بفضل سياسة هشام بن
(3)
(1) تاريخ الطبري، ج 6، ص 556.
(2) المصدر نفسه، ج 6، ص 576.
(3) المصدر نفسه، ج 6، ص 0575
(4) المصدر نفسه، ج 6، ص 0555
(5) المصدر نفسه، ج 2، ص 577
(6) تاريخ الطبري، ج 7، ص 130؛ ابن الأثير، الكامل، ج 4، ص 231.
211