حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢١٥=
ولم تكن انتفاضة طالب الحق التي اندلعت في جنوب شبه الجزيرة شبيهة بتحرّك عباد، فقد قامت في ظروف مختلفة وشملت عدداً أكبر من سكان اليمن، لذلك سنخصص لها مكاناً في أواخر هذا الفصل.
أما ثورات الخوارج في بلاد المغرب، فإنّ معلوماتنا عنها وافرة نسبيا نقل أغلبها مؤرّخون مغاربة مثل ابن خلدون وابن عذاري المراكشي وغيرهما كما نجد تفاصيل عنها في المصادر الإباضية. وقد انطلقت هذه الثورات في العشرية الأخيرة من الحكم الأموي، وارتبط اندلاعها بالظروف الداخلية لهذه الولاية وسياسة السلطة المركزية فيها. لذا تستدعي دراستها إلقاء نظرة ولو سريعة على الأوضاع في تلك الولاية.
(2)
فتحت إفريقية كما هو معروف في خلافة معاوية بن أبي سفيان (1). ورغم أن المسلمين لم يتمكنوا خلال الحملات الأولى من بسط نفوذهم إلا على المناطق الشرقية، فإنّ تأسيس القيروان على يدي عقبة بن نافع كان عاملاً حاسماً في تركيز العرب المسلمين في هذه المنطقة. كما ساهم تواصل الفتوحات في اتجاه المناطق الغربية في انتشار الإسلام في أوساط بعض سكان هذه المنطقة من البربر حتى إن عدداً منهم قد يكونون شاركوا إلى جانب المسلمين في الحملات الأولى التي قادها عقبة بن نافع وخلفه أبو المهاجر دينار ولئن لم يستكمل المسلمون فتح المنطقة بسبب انشغالهم بأحداث الفتنة الثانية، وهي أحداث استغلها البربر بدورهم للتخلّص من الحكم العربي (3)، فإن مقتل عبد الله بن الزبير وتوحيد الإمبراطورية شهد عودة القوات الإسلامية إلى بلاد المغرب لإخضاع البربر ومواصلة الفتح. وقد قاد الحملة التي وقعت سنة 74 هـ حسّان بن النعمان، وكان من أبرز نتائجها انهيار المقاومة المسلحة للبربر بالقضاء على التكتل القبلي الذي كانت تقوده الكاهنة وانخراط اثني عشر ألفاً من سكان المنطقة في الجيش للمشاركة إلى جانب العرب في
(E)
إخضاع من تبقى من الروم والبربر، وإلى هؤلاء يرجع الفضل في فتح إسبانيا. (1) سبق عمليات الفتح التي وقعت في خلافة معاوية حملات عديدة كان أشهرها تلك التي قادها عبد الله بن أبي سرح والي مصر في خلافة عثمان. لكن المشاركين في هذه الحملة لم تكن لديهم نية الاستقرار في تلك المنطقة، ولذلك عادوا إلى مصر ولم يولّ عبد الله على أهل إفريقية أحداً ولم يتخذ بها قيرواناً. انظر: ابن عبد الحكم، فتوح إفريقية والأندلس، بيروت، 1964، ص 36 - 45؛ ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1968، مج 4، ص 398.
(2) ابن الأثير الكامل، ج 3، ص 308 - 309.
DJAIT (H)، «La Wilaya d'Ifrigiya au II/VIIIè siècle، Etude Institutionnelle»، In: Studia Islamica، N° XXVII، Année 1967، pp. 106 - 107.
(3) ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، بيروت، 1948، الجزء 1، ص 30 - 1؛ ابن خلدون كتاب العبر، مج 4، ص 400.
(4) الرّقيق القيرواني، كتاب إفريقية والمغرب تونس 1968، ص 64 - 69 - 474 ابن عبد الحكم، فتوح
215