حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢١٨الأقصى أفضل من زميله فقد استبد بدوره بالبربر وكثر عبثه بنسائهم). وطبيعي أن تثير هذه التصرفات غضب السكان ونقمتهم، خصوصاً إذا كانوا ينتمون إلى قبائل ذات شوكة مثل زناتة ومكناسة التي كانت منذ القرن الخامس ميلادي وربّما قبل ذلك قد قطعت الصلة بأية سلطة وحاربت كلّ حكم مركزي نظامي غير بربري حاول السيطرة عليها (2).
(2)
وقد وجد أبناء هذه القبائل وكلّ المتضررين من الحكم الإسلامي في المبادئ الخارجية، التي نقلتها بعض العناصر البربرية من القيروان ما يُساعدهم على التخلّص من ظلم ولاة بني أمية وقهرهم ويحقق لهم رغبتهم القوية والدائمة في الاستقلال. لذلك التفوا حولها وتبنّوها، فكانت ثوراتهم متسلحة بالفكر الخارجي وقد نسبها الرواة إلى التيار
الصفري.
إلا أن إجماع الرواة على ربط ثورات البربر بالمذهب الخارجي لم يمنع محمد عبد الحي شعبان من نفي الصّلة بينها وبين الحركة الخارجية، مؤكداً أن كل محاولة للربط بين الحركتين لا تقوم على أي أساس ولا تؤيدها المصادر، معتبراً أنّ الدّلائل المتوفرة في ما يسمّى بالمصادر الإباضية يجب أن لا تؤخذ بجديّة لأنّ هذه المصادر هي تصوير رومنطيقي مبالغ فيه لتاريخ فئة ضئيلة «الأهمية. وقد حاول شعبان إيجاد تفسير لهذا الربط، وتوصل إلى أن البربر بصفتهم مسلمين متمرّدين على الحكومة لا بد أن يُنظر إليهم من قبل معارضيهم كخوارج، وهم أنفسهم قابلون بذلك حتى إنهم شجّعوا عليه لأنه يعني مساواتهم بإخوانهم العرب المسلمين.
(3)
ويصعب قبول ما ذهب إليه شعبان لعدم اتفاقه مع ما تذكره المصادر فكلّ الرّواة الذين نقلوا أخبار تلك الفترة نظروا إلى ثورات البربر على أنها ثورات خارجية. ولا يوجد ما يشير إلى أن الصلة بين الحركتين هي من صنع مؤرّخي الإباضية كما يذهب إلى ذلك شعبان ولا نعرف المصادر التي اعتمدها هذا المؤرّخ وتوصل من خلالها إلى هذا الاستنتاج. ولعلّ المصدر الوحيد الذي لم يُسمّ هذه الحركة الخاصة بالبربر ثورة خارجية هو الطبري، وإن كان هذا المؤرّخ نفسه يذكر في إحدى الروايات التي يصف فيها سكان إفريقية إنّهم ما زالوا من أسمع أهل البلدان وأطوعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك حتى دبّ إليهم دعاة أهل العراق واستثاروهم فشقوا عصاهم وفرّقوا بينهم إلى اليوم (4). وفي هذا
خلدون كتاب العبر، مج 4، ص 405.
(1) ابن خلدون كتاب العبر مج 6، ص 239 - 240.
(2) عبد الله العروي مجمل تاريخ المغرب، ص 128. (3) محمد عبد الحي، شعبان صدر الإسلام والدولة الأموية، ص 169. (4) تاريخ الطبري، ج 4، ص 254.
(£)
218