حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٢٧

مواقف متصلبة تجاه المعارضين لهم. وقد ازدادت مشاركة العلماء منذ أن تبنى نافع بن الأزرق وأصحابه القول بتكفير المخالفين وكلّ مرتكبي الكبائر وحكموا بخلودهم في النار. ويظهر من خلال رواية البغدادي ارتباط الجدل في مسألة مرتكب الكبيرة بأقوال الأزارقة إذ يذكر أنّ الناس قد اختلفوا في أصحاب الذنوب من الأمة في زمن فتنة الأزارقة (1). وقد شغل الجدل في هذه المسألة جميع العلماء والعديد من المسلمين وتواصل سنوات طويلة وأدّى إلى ظهور تيار فكري كبير هو تيار الاعتزال.

،

(2)

(1)

ولم تكن مسألة مرتكب الكبيرة التي أثارها الخوارج المسألة الوحيدة للجدل والمجادلة بين المسلمين، بل طُرحت في خضم هذه النقاشات قضايا أخرى ارتبطت بأحداث الفتنة التي انشغل المسلمون بإعادة قراءتها من أهمها قضية الجبر والاختيار التي اتخذ الجدل حولها بعداً فكريا بعد أن كان دينيا في السابق (3). وقد أثارت هذه المسألة جدالاً كبيراً بين الخوارج في البصرة والمناطق الأخرى. ويذكر الأشعري في هذا الإطار أن شعيباً وميموناً - وهما من الخوارج العجاردة - اختلفا في مسألة القدر إذ قال ميمون بالاختيار في حين قال شعيب: إن أعمال العباد مخلوقة الله وبرئ من ميمون. وتابع أناس ميموناً: وتابع أناس شعيباً فكتبوا إلى عبد الكريم بن عجرد وهو في حبس خالد بن عبد الله القسري يعلمونه بقول ميمون وشعيب ولم يكن جواب ابن عجرد واضحاً فاختلفوا وانقسموا إلى فرقتين هما: «الميمونية» و «الشعيبية» (3). ويذكر رواة الإباضية بدورهم قدوم حمزة الكوفي إلى أبي عبيدة زعيم الإباضية ليُذاكره في أمر القدر. وتعطي الروايات تفاصيل الحوار الذي دار بينهما واختلاف حمزة مع أبي عبيدة وبعض أصحابه (4). وتذكر كتب الفرق والمقالات أسماء العديد من المجموعات التي انقسمت بسبب اختلاف مواقف أتباعها من

مسألة القدر.

(3)

(4)

وتعطي الروايات التي تصف النقاشات التي دارت بين الخوارج حول مسألة الجبر والاختيار فكرة عن الكيفية التي كان يتمّ بها الانقسام داخل المجموعات الخارجية من خلال ما وقع بين الإباضية القائلين بالجبر وأصحابهم القائلين بالاختيار. فقد بلغ زعماء الحركة أن حمزة الكوفي الذي تبنّى القول بالاختيار مشى إلى النساء والضعفاء فكلّمهم في القدر، فأمر أبو عبيدة أحد أصحابه وهو حاجب الطائي فجمع له الناس فأعلمهم أن حمزة وعطيّة قد أحدثا أحداثاً. فمن آواهما أو أنزلهما أو جالسهما فهو خائن متهم فتفرق عنهما

(1) البغدادي الفرق بين الفرق، ص 81

(2) حسين مروة النزعات المادية، ج 1، ص 619 - 620.

(3) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 93 - 95؛ البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 64. (4) الدرجيني، طبقات المشائخ، ج 2، ص 243 - 244؛ الشماخي، كتاب السير، ص 84 - 85.

مسألة

227