حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨الناس وطردا من المجالس» (1). وقد أدّى تحريض زعماء الإباضية لأتباعهم ضد حمزة إلى خروجه من البصرة إلى الموصل، لكن ذلك لم ينه الخلاف بينهما إذ إن أبا محفوظ أحد الإباضية تتبع القرى يحذر من حمزة ويخبر أنه على خلاف المسلمين (2) وتؤكّد هذه الرّوايات أن الخلاف داخل المجموعات الخارجيّة لم تكن تنتهي بانقسام أتباعها وانقطاع الصلة بينهم بل كان يتواصل الصراع في شكل حرب نظرية يحاول كل طرف من خلالها إثبات صحة موقفه مثلما فعل زعماء الإباضية مع أصحابهم القائلين بالاختيار.
6
هذه باختصار مختلف أوجه النشاط الفكري للخوارج والمحاور الرئيسية التي دارت حولها نقاشاتهم وما ترتب عنها من انقسامات. وإذا كان الظاهر من خلال هذا العرض أنّ ما شغل الخوارج لم يكن سوى جدل نظري شمل المسائل التي اختلفوا بشأنها في ما بينهم أو مع باقي المسلمين وكان انكبابهم على بحثها من منطلق ديني بحت، فإن الرجوع إلى أصل الخلاف يؤكد ارتباطه بما عرفته الحركة مع بداية الفتنة الثانية من انقسام بسبب الخلاف حول بعض المسائل وخصوصاً مسألة الخروج» أو «القعود). وقد بينا سابقاً الجذور السياسية لهذه المسألة، ودور الخوارج في تحويل مواقفهم بشأنها إلى قناعات دينية بعد إخضاعها للقرآن وسيرة الرّسول، وعنها تفرّعت مسائل أخرى تخص الموقف من المخالفين والحكم عليهم وعلى نسائهم وأطفالهم والتقية. وقد كان تواصل الجدل بشأنها سبباً في ابتعادها تدريجيا عن جذورها وتحوّلها إلى مسائل ذات صبغة فكرية ودينية، كما كان سبباً في مزيد من انقسام المجموعات الخارجية.
كما كان للأحداث السياسية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في تلك الفترة تأثير على نشاط الخوارج الفكري لأنّ الجدل فيها قد أدى إلى تبني مواقف متباينة أفضت إلى الانقسام. من ذلك انقسام الثّعالبة بسبب تأييد عناصر منهم بقيادة شيبان بن سلمة لعلي بن الكرماني في صراعه مع نصر بن سيار في خراسان وظهور مجموعتين، تسمّى إحداهما «الشبانية»، والثانية الزيادية» نسبة إلى زعيم المجموعة المعارضة لشيبان وأصحابه (3). كما انفصلت مجموعة من الخوارج العجاردة لقول أتباعها إنّ الضريبة في ما سقي بالعيون والأنهار الجارية نصف العشر ولا يجب العُشر إلا في ما سقته السماء فحسب، وقد كفرهم سائر الثعالبة بسبب هذا القول. وتأثر النشاط الفكري للخوارج كذلك بالجدل الكبير الذي كان يدور بين المسلمين
(1) الشمّاخي كتاب السير، ص 85 - 120؛ الدرجيني، طبقات المشائخ، ج 2، ص 244. (2) الشمّاخي كتاب السير، ص 120.
(3) الأشعري مقالات الإسلاميين، ص 98 - 99؛ البغدادي الفرق بين الفرق، ص 69. (4) الأشعري مقالات الإسلاميين، ص 99؛ البغدادي الفرق بين الفرق، ص 70.
(4)
228