حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩خاصة
في الأمصار الكبرى مثل البصرة والكوفة حول بعض المسائل مثل مسألة مرتكب الكبيرة وقضية الجبر والاختيار. وقد بينا سابقاً أن الجدل في المسألة الثانية قد شغل أغلب الخوارج، وكان سبباً في انقسام العديد من المجموعات وإجمالاً يمكن من خلال ما تقدّم القول إنّ النشاط الفكري للخوارج كان مهما وخطيراً بعد الفتنة الثانية انشغل به عدد كبير منهم في البصرة خاصةً. وقد ساهم هذا النشاط في تطوير الفكر الخارجي والفكر العربي الإسلامي عامة، لكنه زاد في تشتت الخوارج بظهور مجموعات جديدة تحمل أسماء مختلفة، لم تكن فرقاً كما يذكر مؤلفو كُتب الفرق بل مجموعات صغيرة تضم عناصر تبنت الموقف نفسه في إحدى المسائل المطروحة ولذلك لم يكن لأغلبها وزن كبير. ولقد تزامن النشاط الفكري للخوارج في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني هجري نشاط آخر لا يقل أهمية عنه وهو الدّعوة السرية، محور بحثنا التالي. 3 - الدعوة السرية
انطلقت عملية نشر الفكر الخارجي بصورة سريّة في أطراف الإمبراطورية من البصرة مركز الحركة (1). إلا أن أغلب الرّواة لا يذكرون المجموعات التي اهتمت بهذا النشاط أو أشرفت عليه ولا توجد سوى بعض الإشارات في مؤلفات إباضية المغرب تخص إفريقية وتتحدّث عن قدوم سلمة بن سعيد من البصرة إلى القيروان بصحبة عكرمة مولى ابن عبّاس وقيام سلمة بالدعوة إلى المذهب الإباضي وعكرمة إلى مذهب الصفرية (2). ورغم اتفاق رواة الإباضية على ذكر هذا الخبر فإنّنا نشك في صحة بعض ما ورد فيه وذلك لعدة أسباب منها صعوبة قبول فكرة قيام خوارج ينتمون إلى تيارين مختلفين بعمل مشترك في المنطقة نفسها ووجود شكوك حول انتماء عكرمة مولى ابن عبّاس إلى الصفرية (3) وقيامه بهذه المهمة في بلاد المغرب، بالإضافة إلى غياب الأدلة عن وجود تيار صفري منظم وله دعاة في الأقاليم الإسلامية.
لكنّ الشك
في
الرّواية لا يصل إلى حدّ نفي انتشار مبادئ هاتين الحركتين كما ذهب إلى ذلك حسين مؤنس (4)، لأنّ كلّ الرّواة ينسبون المنتفضين في إفريقية في أواخر الحكم (1) لقد سبق الفكر الخارجي أن تسرّب إلى إفريقية خاصةً عن طريق العرب القادمين من الشرق للجهاد، لكن الأرجح أن ذلك لم يكن في إطار دعوة منظمة. (2) الشماخي، كتاب السير، ص 98؛ أبو زكرياء، كتاب سير الأئمة وأخبارهم، الأئمة وأخبارهم، بيروت، 1982، ص 40 - 41. 1982 (3) لا تذكر أغلب كتب الفرق انتماء عكرمة إلى الصفرية، أما كتب التاريخ فتذكر بعضها انتماء عكرمة إلى المذهب الخارجي من دون إشارة إلى فرقة بعينها؛ ابن قتيبة، المعارف، ص 457؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج 9، ص 244 - 250 ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 5، ص 292. (4) حسين مؤنس، فجر الأندلس دراسة في تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية،
tr
229