حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٣مباشرة بعد المفاوضات وكتابة وثيقة التحكيم عادت تلك المجموعة نفسها إلى عليّ طالبةً
منه استئناف القتال إلا أنه رفض فكان ذلك سبباً في خروجها عليه.
تلك هي
كما
باختصار مجمل أحداث رفع المصاحف والتحكيم وخروج الخوارج نجدها في أغلب المصادر الإسلامية وهي أحداث تبدو للوهلة الأولى مترابطة ومتسلسلة إلى حدّ كبير. ولولا الموقف المتناقض الذي اتخذه القرّاء والمتمثل في قبول التحكيم ثم رفضه لكانت القضيّة مقبولة.
لقد أثار هذا الانقلاب المفاجئ في موقف القرّاء استغراب كلّ الدارسين وتساؤلاتهم خصوصاً وأنه صدر عن مجموعة تملك بحكم تجربتها السابقة بعض الأفكار الواضحة، ولا يمكن لها بحال من الأحوال أن تتصرف بصورة اعتباطية في مثل هذه القضية المصيرية. وقد دفع هذا التناقض الدارسين إلى تسليط الضوء على هذه المسألة ومحاولة التعرّف على حقيقة موقف هذه المجموعة من التحكيم وتفسير دوافعه وخلفياته. وقد سلكت الدراسات في تناول هذه المسألة اتجاهين مختلفين وأدّت بالتالي إلى آراء واستنتاجات متباينة: فأما الاتجاه الأول، فقد قبل أصحابه الرّوايات الموجودة في المصادر، وحاولوا بالاعتماد عليها البحث عن تفسير مقبول ومنطقي لهذا التغيير المفاجيء في موقف القرّاء. وبرز من بين هؤلاء الدارسين فلهوزن الذي اعتبر أنّ الخوارج أخطأوا لما قبلوا التحكيم لكن لما تبين لهم الخطأ رجعوا عن باطلهم وتابوا (1). وهو التفسير الذي تذكره المصادر على لسان الرافضين للتحكيم إبان الحوار الذي دار بينهم وبين علي بعد صفين. أما نايف معروف فيتحدّث عن وجود فريقين من القرّاء طلب أحدهما وقف القتال والتحكيم وأصرّ الثاني بقيادة ابن وهب الراسبي على مواصلته، ثمّ يتساءل إن لم يكن ذلك يندرج في إطار خطة مدبّرة من قبل عناصر من الفريقين (2). إلا أن ما يذكره هذا الباحث لا نجد ما يؤيده في المصادر، كما أنّ الحديث عن تخطيط وعن توزيع للأدوار يفترض وجود تنظيم له قيادة وهو ما لم يكن موجوداً في تلك الفترة، بالإضافة إلى أن أغلب الخوارج لا يحبذون استعمال هذه الأساليب الملتوية في التعامل مع أعدائهم.
ويقدّم الباحث محمد رضا الدّجيلي تفسيراً مشابهاً للذي قدمه فلهوزن مع التركيز على دور القرآن في تفسير التحول الطارئ في موقف هذه المجموعة. إذ يرى أن القراء لما رأوا المصاحف مرفوعة على رؤوس الرّماح استجابوا للقرآن استجابةً طبيعية، وأحسّوا أنه يجب الانصياع لأمره وحكمه ولم يستجيبوا لنداء الخليفة بوجوب الاستمرار في القتال لأنهم يرون أن طاعتهم يجب أن تكون للقرآن فقط لا للأشخاص. ولما انجلت لهم الحقيقة أحسوا
(1)،فلهوزن أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام الخوارج والشيعة، ص (2) نايف معروف الخوارج في العصر الأموي، ص
32
37
23