حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥(1)
الكتمان إلى حالة الظهور أي إعلان الثورة. ويبدو أن الأهمية التي تكتسيها هذه العملية هي التي جعلت الثائرين يحرصون على استشارة زعماء الحركة قبل القيام بأي عمل، وهو ما يتضح من خلال ما قام به عبد الله بن يحيى الكندي لما فكر في الخروج، فقد أرسل إلى أبي عبيدة يستشيره، ولم يعلن ثورته إلا بعد وصول ردّ أبي عبيدة ومعه اثنين من زعماء الحركة الكبار) أرسلهما للمشاركة في الثورة معه. وإذا كان الدعم العسكري مرتبطاً بالانتفاضات، فإنّ الدّعم المالي يقدّم على ما يبدو بصورة متواصلة لأنه ضروري لمساعدة الدعاة على نشر الدعوة وتوسيع نطاقها وجلب مزيد من الأتباع إلى صفوفها والإحاطة بهم. وقد كانت عملية جمع الأموال وإرسالها من مهمات حاجب الطائي في إطار التقسيم الذي ذكرناه سابقاً. ويُعطي الشمّاخي فكرة عن هذه العملية إبان ثورة عبد الله بن يحيى الكندي وأبي حمزة بقوله: «فقد جمع حاجب لهما أموالاً كثيرة، وكتب إلى كلّ موسر من المسلمين قدر ما يرى فما امتنع عليه أحد .. وتضيف الرواية نفسها أن حاجباً طلب من أبي طاهر أن يقوم بجمع المال من وأوساط الناس فتحصل في يوم واحد على عشرة آلاف درهم فاشترى حاجب بها سلاحاً» (3). وقد نجح زعماء الإباضية بفضل هذا العمل المتواصل والتنظيم المحكم في نشر الفكر الإباضي وتأطير ورعاية أتباعهم في مختلف الأقاليم، وهو ما مكن من قيام انتفاضات كان لإحداها دور في إنهاء الحكم الأموي.
(2)
النساء
تتجلى واضحة من خلال ما سبق أهمية نشاط الخوارج في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني هجري وتنوعه. إلا أنّ النشاط الفكري كان أكثر قيمة نظراً لعمق تأثيره على الحركة الخارجيّة. فقد زاد في انقسامها إلى مجموعات تتبرأ من بعضها وتكفر بعضها بعضاً، وزاد بالتالي في تشتت الخوارج واختلاف كلمتهم على أن أحد الأوجه الإيجابية لهذا النشاط يكمن في ظهور عدد كبير من العلماء والفقهاء من مختلف المجموعات من أمثال الزهين المرادي وعمران بن حطان السدوسي، وأبي عبيدة وغيرهم ساهموا بدور كبير في تطوير الفكر الخارجي خاصة والفكر العربي - الإسلامي عامة. وقد ترك بعض هؤلاء العلماء مؤلّفات منها: كتاب الأمثال للصحار العبدي الخارجي (4) وهو من أقدم
(1) الشماخي كتاب السير، ص 99.
(2) الدرجيني، طبقات المشائخ، ج 2، ص 262؛ الشمّاخي كتاب السير، ص 92 - 114.
(3) الدرجيني، طبقات المشائخ، ج 2، ص 262؛ الشمّاخي كتاب السير، ص 114 - 115. (4) يذكر ابن النديم أنّ الصحار كان خارجيًا وكان أحد النسابين والخطباء في أيام معاوية بن أبي سفيان روى عن النبي (صلعم) حديثين أو ثلاثة وله من الكتب كتاب الأمثال ويذكره الدرجيني في الطبقة الثانية. المشائخ الإباضية. انظر: ابن النديم الفهرست بيروت بدون، تاريخ، ص 90؛ الدرجيني، طبقات المشائخ، ج 2، ص 201.
235