حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧إلا أن القضاء على الثائرين وتحوّل من تبقى منهم من حالة الثورة إلى حالة القعود لم يُنْهِ القمع ضدّ الخوارج، إذ تزخر كتب الأدب بالرّوايات عن عمليات القتل والحبس والنفي التي كانت تسلّط عليهم ولئن كانت هذه المصادر لا تذكر سوى العناصر الخارجية التي برزت في بعض الميادين مثل الأدب والشعر والفقه، وغيرها فهي تعطينا فكرة عن تصرفات الولاة إزاء الخوارج وخصوصاً الحجّاج بن يوسف الثقفي وخالد بن عبد الله القسري. كما تبين أن عمليات القمع قد شملت أساساً العناصر التي كان نشاطها يُضايق السلطة أو يُشكّل خطراً عليها. ولعل أبرز الأمثلة عن هذه الأعمال ما قام به الحجّاج تجاه الشاعر عمران بن حطان السدوسي الذي هدّده بالقتل، ففرّ من البصرة وظلّ مختفيا ينتقل من مكان إلى آخر يطارده الوالي حتى مات (1). والأكيد أن نشاط عمران وخصوصاً أشعاره التي يمجد فيها الخوارج ويتهجم على الحجاج قد ضايقت السلطة ودفعت عبد الملك بن مروان إلى إهدار
دمه
به رغم أنّه كان من القعدة.
ولم يكن العنف الأسلوب الوحيد الذي استعمله الحكّام المروانيون ضد المعارضين من الخوارج في تلك الفترة، بل حرصوا بالتوازي معه على عدم مضايقة العناصر المسالمة أظهرت رضوخاً كاملاً للسلطة وقبولاً للعيش مع بقية المسلمين، معتبرين أن بقاءها لا
التي
(2)
يُشكّل خطراً على سلطتهم وأن قعودها يجعل إمكانية مراقبتها والسيطرة عليها سهلة. أمّا الإجراء الجديد الذي دشنه عبد الملك بن مروان وتميز به عن أسلافه فهو محاولته ربط الصّلة بينه وبين بعض العناصر الخارجيّة، إذ تذكر المصادر الإباضية أنه راسل عبد الله بن إباض. وقد احتفظ البرادي بالنص الكامل لإحدى الرّسائل التي يقول إن زعيم الإباضية بعثها إلى الخليفة الأموي. ويتضح لقارئ نص الرسالة أنها ليست الأولى التي يبعث بها ابن إباض إلى عبد الملك بن مروان بل سبقتها رسالة أخرى، وأن عبد الملك هو الذي طلب من الزعيم الخارجي مكاتبته) والاجتهاد في النصيحة له. ويرى لويسكي أن ابن إباض هو الذي سعى إلى ربط الصلة مع الخليفة الأموي في محاولة منه للتفاهم معه وأنه اختار القعود ليتمكن من ذلك (3)، إلا أن لا شيء في الرسالة ولا في الروايات يوحي بذلك. والظاهر أن عبد الملك هو الذي رغب في إجراء هذا الحوار مع زعيم الإباضية في محاولة منه لجلبه إلى حظيرة الدولة أو على الأقل لضمان عدم خروجه عليه. ويبدو من خلال الرسالة أنّ عبد الملك قد ذهب إلى حدّ محاولة إغراء ابن إباض ببعض الامتيازات. وقد أدرك الزعيم الإباضي غاية ابن مروان فردّ عليه في خاتمة رسالته: ولا تعرض لي بالدنيا فإنه:
(1) المصدر نفسه، ص 14 - 15.
(2) البرّادي، كتاب الجواهر، ص 156.
LEWICKI (T)، «Al- Ibadiyya»، E.I.، op. cit.، p. 670 (†)
237