حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨لا رغبة لي في الدنيا وليست من حاجتي (1).
،
درهم وعينه
وتنفيذاً لرغبة عبد الملك بن مروان في مهادنة الإباضية ومحاولة احتواء حركتهم، سلك الحجاج بن يوسف والي العراق على ما يبدو سياسة مرنة تجاه أتباع هذه الحركة رغم كرهه الشديد لهم ولكل المعارضين للدولة ورغبته في القضاء عليهم. ولإبراز هذا التحوّل في سياسة الدولة تجاه المعارضين من الإباضية، ركّز المؤرّخون على العلاقة الودية التي ربطت الحجّاج بجابر بن زيد. فقد منحه عطاء قدره سبعمائة أو ستمائة ضمن أعوان صاحب ديوان البصرة بعد أن رفض مهمّة القضاء التي اقترحها عليه (2). بل إنّه ذهب إلى حدّ الاستعانة به في الردّ على القائلين بالقدر، فقد ذكر الشماخي: «أنه وقع في نفس الحجاج شيء من القدر فشكا ذلك إلى يزيد فكتب إلى جابر فأجابه قُلْ للأمير أن يكثر من ترديد خطبته فإنّ فيها بيان ما سأل عنه فردّدها مراراً كلّ ذلك لم ينتبه ثم بعد ذلك انتبه فقال: مَنْ يهدِ الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي
له» (3)
ورغم وجود شكوك حول انتماء جابر بن زيد إلى الإباضية، فإنّ هذه الروايات تبقى دليلاً على التحوّل في سياسة الدّولة تجاه المعارضين لأنّ جابراً الذي حظي بهذه المعاملة اشتهر بمعارضته أو على الأقل بانتقاداته المستمرة لسياسة الأمويين وتجاوزات ولاتهم. كما أنّ الأسماء الوارد ذكرها مع جابر بن زيد في روايات أخرى هي لعناصر من الإباضية، وهو ما يفيد شمول الإجراءات الجديدة أنصار هذا التيار الخارجي. وتتأكد مرونة الدولة كذلك من خلال بعض الإشارات الواردة في المصادر الإباضية والتي تتحدّث عن قيام بعض الخوارج بأنشطة علنية في البصرة من دون تدخل السلطة.
للحد
إلا أنّ هذه الهدنة بين السلطة والإباضية لم تمنع الحجّاج من التدخل من حين لآخر من نشاط بعضهم من ذلك نفيه جابر بن زيد وهبيرة إلى عُمان (4)، وحبسه جماعة منهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي ظلّ في الحبس إلى حين موت هذا الوالي (5). وقد توترت العلاقة كثيراً بين الإباضية والحجّاج بعد وفاة عبد الملك بن مروان. ويعطي لويسكي ثلاثة أسباب تفسّر هذا التوتر أوّلها موت الخليفة الذي كان متفهماً لأتباع هذه الحركة، وثانيها تطوّر العلاقة بين الإباضية والمهالبة أعداء الحجّاج بعد انضمام عائكة أخت يزيد بن المهلب إلى صفوفها وأمّا ثالثها فهو تصلب موقف إباضية البصرة وتغلب العناصر
(1) البرّادي، كتاب الجواهر، ص 167. (2) الشمّاخي كتاب السير، ص 74.
(3) المصدر نفسه، ص 075 (4) المصدر نفسه، ص 76 - 81
(5) المصدر نفسه، ص 87
238