حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

ري چادروم

الأموي، وتعرّض العديد منهم للقمع خصوصاً إبّان ولاية خالد بن عبد الله القسري. ولعلّ تكتف الانتفاضات في تلك الفترة، وخصوصاً الشيعية هو الذي حمل هذا الوالي على انتهاج أسلوب العنف تجاه كلّ المعارضين. ويظهر أنّ المراقبة المفروضة على الخوارج والعنف الكبير المسلّط عليهم هما اللذان جعلا زعماء الإباضيّة يتوّخون الحذر في تحرّكاتهم ويرفضون القيام بانتفاضات في العراق. فقد قيل لأبي عبيدة مسلم بن كريمة: «ما يمنعك من الخروج؟ لو خرجت ما تخلّف عنك أحد. فقال: ما أحب ذلك (1). ويدل ردّ الزعيم الإباضي على اقتناعه بأن مراقبة الدولة لتحرّكات الخوارج ووجود الجيش الشامي قريباً منهم في واسط يجعلان الفشل مصير كل تحرّك ينطلق من البصرة. لذلك حرص الإباضية على نشر مبادئهم في أطراف الإمبراطورية وأعطوا هذا العمل الكثير من جهدهم ووقتهم وأحاطوه بالسرية المطلقة لضمان نجاحه باعتباره سيُمكّن من قيام انتفاضات خارجيّة عارمة. وهي الخطة نفسها التي اتبعها الشيعة العباسيون في نشر دعوتهم في خراسان. وتجرّنا هذه المقارنة بين الشيعة والخوارج إلى الحديث عن العلاقة التي كانت تربط بين الحركتين وبين الخوارج وبقية الحركات التي تكوّنت ونشطت في تلك الفترة. 2 - الخوارج وحركات المعارضة الأخرى

لم يصلنا من الأخبار عن علاقة الخوارج ببقية الحركات المعارضة في تلك الفترة إلا القليل النادر. وأغلب هذه الأخبار نجدها متفرقة في كُتب الفرق والمقالات وكتب الأدب، وهي لا تخص الفترة موضوع البحث، بل تتعدّاها لتشمل الخلافة العباسية حيث صارت هذه الحركات مذاهب مكتملة وواضحة المعالم. إلا أن قلة المعلومات الخاصة بتلك الفترة لا تعني أن الصلة بين الحركات المعارضة كانت مُنعدمة وأن أتباع كلّ حركة كانوا يتصرّفون ويتحركون بمعزل عن باقي المسلمين المنتمين إلى حركات أخرى وذلك لانتمائهم لمجتمع واحد وعيشهم تحت حكم واحد وتعرضهم للمعاملة ذاتها من قبل الدولة على ضوء معارضة أغلبهم لها. لذلك، فإن البحث في طبيعة العلاقة القائمة بينها ومحاولة تتبع تطوّرها يُمكن أن يوضح لنا جوانب من تاريخ هذه الحركات ويُفسّر بعض مواقفها وخلفيات العديد من المبادئ التي تبنتها.

ونشير في هذا الإطار إلى أن حركة الشيعة هي أولى الحركات المعارضة التي تزامن ظهورها مع حركة الخوارج وكان لها تأثير كبير عليها في تلك الفترة، أما البقية وهي المرجئة والقدرية، والمعتزلة فإنّها لم تظهر إلا في أواخر الحكم الأموي وكان وجودها محدوداً في الفترة موضوع البحث، ولذلك سيكون تركيزنا أساساً على علاقة الخوارج

بالشيعة.

(1) الشمّاخي، كتاب السير، ص 84.

240