حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٤٣

المسلمين الكلّي بمصير الأمة الذي هدّدته الرّدة. ثمّ مع انطلاق الفتوحات انكبت الدولة والمسلمون على تتبع العمليات العسكرية وتنظيم المناطق المفتوحة. ولما اندلعت الثورة ضد عثمان ودخلت الأمة في مواجهات عسكرية طفت مسألة الإمامة على السطح وبدأ المسلمون ينشغلون بها حتى صارت المحور الرئيسي للجدل بينهم.

وقد تبنّى الخوارج الذين ظهروا خلال هذه الفتنة مواقف متميزة في مسألة الخلافة، كما تبنّى الشيعة بدورهم جملة من الأفكار والمبادئ تطوّرت تدريجيا حتى كونت نظرية

كاملة.

(1)

وتبدو نظرية الإمامة عند الخوارج وخصوصاً عند الشيعة كما نجدها في كتب الفرق متشعبة وشديدة التعقيد بسبب ما دخلها من أفكار جديدة إبان الصراع السياسي والفكري حول هذه المسألة. ويصعب بالاعتماد على ما جاء في هذه المصادر فهم أوجه الاختلاف بينهما مما يحتم علينا الرجوع إلى الأصول الأولى للنظريتين وتتبع أقوال الشيعة والخوارج في هذه المسألة وربطها بمختلف الأحداث التي استجدت خلال تلك الفترة. يبدو من خلال رواية أبي مخنف أن الخوارج قد حدّدوا موقفهم من مسألة الخلافة منذ اللحظة الأولى لظهورهم كمجموعة معارضة لعليّ ومعاوية من خلال شعارهم الذي رفعوه في حروراء وهو الأمر شورى بعد الفتح» (1). وقد بينا من خلال تحليل محتوى الشعار وبالرجوع إلى بقية الروايات الخاصة بتلك الفترة شكنا في صحة هذه الرواية، غير أن هذا الشك لا يمنعنا من التأكيد على أن الخوارج قد حسموا منذ ظهورهم إحدى المسائل الهامة المرتبطة بالخلافة ألا العترة القرشيّة. فقد رفضوا حصر الخلافة في هذه القبيلة، مؤكدين بذلك شعورهم المعادي لقريش والذي أظهروه منذ بداية الثورة ضد عثمان. ثم ضبط الخوارج في بداية الحكم الأموي الشروط التي يجب توفرها في المترشّح القيادة الجماعة (2) من دون أن يحدّدوا الطريقة التي يتم بها الاختيار، إذ لم يرد ذكر الشورى أو غيرها. إلا أنّ الطريقة التي توخوها في اختيار بعض قادتهم تعطينا فكرة عن النموذج الذي يعتبرونه الأفضل في اختيار الخلفاء، أي الانتخاب بمعناه الواسع. ورغم ما في هذه الأفكار من عدم دقة وصعوبة في التطبيق على مستوى الأمة الإسلامية بأكملها، فإنّ كل

(2)

،

وهي

الخوارج تمسكوا بها ومثلت الأساس الذي قامت عليه نظرية الإمامة عندهم. ولكن في الوقت الذي حدد فيه الخوارج الخطوط العريضة لموقفهم من مسألة الخلافة، لم يكن لأنصار علي موقف واضح منها فكلّ ما كان يجمعهم هو القول إن عليّاً هو الخليفة الشرعي وهو أفضل من معاوية لسابقته في الإسلام وقرابته من الرسول ولما كان

(1) تاريخ الطبري، ج 5، ص 63. (2) المصدر نفسه، ج 5، ص 174.

243