حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٤٥

ا

وقد تبنت جل المجموعات الشيعية القول بالوصاية لعلي وإن كانت ستختلف في ما بينها في تسلسل الإمامة بعده إلا أن هذا الاختلاف لن يأخذ شكله النظري في فترة الحكم الأموي، ولذلك لم يختلف الشيعة حول هذه المسألة وشارك أغلبهم في الانتفاضات التي اندلعت خلال تلك الفترة، ونقلوا ولاءهم من فرد إلى آخر من أبناء بيت الرسول (1) الذين ثاروا ضد الحكم الأموي.

ولئن تبدو فكرة الوصاية التي تبنّاها الشيعة غير مرفوضة عند الخوارج باعتبار أن أبا بكر الصديق الذي يتولونه جميعاً ويمجدونه قد أوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب وأن بعض قادة الحركات الخارجية قد طبقوا هذا المبدأ. فإنّ الخوارج يرفضون الوصاية عندما تصبح الطريقة الوحيدة للوصول إلى السلطة كما يرفضون حصر الوصاية في آل بيت الرسول لأنه يحرم بقية المسلمين من حقهم في اختيار من يرونه الأفضل لقيادة الجماعة ويجعل الخلافة في قريش وهو ما لا يقبلونه إطلاقاً، هذا بالإضافة إلى السلطة الدينية التي يمتلكها من يتولّى المنصب بحكم ارتباطه بالرسول وتاليا بالله.

وبالإضافة إلى القول بالوصاية ظهر إبان حركة المختار الثقفي مفهوم آخر كان له تأثير كبير على الفكر الشيعي، وبالتحديد على نظرية الإمامة، وهو مفهوم «المهدي (2). ولئن عبّرت الكلمة في البداية عن بعض فضائل ابن الحنفية حسب المعنى الشائع لها من قبل (3)، فإنّها سرعان ما اتخذت بعداً جديداً إذ صارت تعني امتلاك الإمام لصفات فوق صفات البشر (4)، وهو ما يتعارض تماماً مع مبادئ الخوارج. فالفضائل الشخصية التي يعتبرونها الأساس في اختيار القادة لا تعني أبداً امتلاك الشخص المعني صفات خارقة. لذلك لم يكن قادتهم مقدّسين ولا يملكون سلطة دينية، بل كانوا يخضعون للمراقبة التي قد تؤدي أحياناً إلى الثورة ضدّهم.

ولم يكتف الشيعة بتبنّي فكرة المهدي بل طوّروها. فبعد أن أسندت إليه إبان ثورة المختار الثقفي صفات خارقة تفوق صفات البشر، أدخلت الكيسانية مفاهيم جديدة كالقول بغيبة الإمام ورجعته. وترجّحُ ودَاد القاضي أن يكون القول بالغيبة والرّجعة قد ظهر إثر وفاة محمّد بن الحنفية سنة 81 هـ، وتفسّر أخذ الكيسانية بهذا الرأي بأنه يكفل لهم البقاء والاستمرار، ويمكنهم من تأويل بيعة ابن الحنفية لعبد الملك بن مروان على أنها ذنب

(1) محمد عبد الحي شعبان الثورة العبّاسية، ترجمة عبد المجيد حسيب قيسي، أبو ظبي، 1977، ص 238.

(2) تاريخ الطبري، ج 6، ص 16. (3) وداد القاضي، الكيسانية، ص 124.

(4) البغدادي الفرق بين الفرق،

32؛ القاضي الكيسانية، ص 124.

245