حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٤٦ارتكبه واستحق بموجبه عقابًا من الله وهو الغيبة (1). ولكن هذه الغيبة ستنتهي بانتهاء مدة العقوبة، وهو ما أشار إليه أبو حمزة الخارجي في خطبته لما قال: ينتظرون الدول في رجعة الموتى. وستأخذ عن الكيسانية أغلب الفرق الشيعية القول بغيبة الإمام ثم رجعته، إلا أنّها ستختلف في شخص الإمام الغائب أو المهدي المنتظر، كما ستختلف في مكان غيبته. ويرفض الخوارج القول بالرّجعة لا لعدم إيمانهم بعودة الموتى إلى الحياة في الدنيا، فحسب بل لأن واقعيتهم تجعلهم يرفضون الانصياع لشخص غائب يجهلون مكان وجوده
وزمن رجوعه.
وستزداد هذه الآراء التي دخلت الفكر الشيعي مع حركة المختار وطوّرتها الكيسانية بعده تطرّفاً مع تطوّر الحركة الفكرية. ورغم أن تنظير مفهوم الإمامة وإضفاء الصفات الإلهية على الإمام سيكون مع بداية الحكم العبّاسي، فإنّ بعض الإشارات تؤكّد أن إرهاصاته الأولى ظهرت منذ أواخر الحكم الأموي، ذلك أنّ بيان بن سمعان التميمي والمغيرة بن سعيد وبزيغا وصائداً قد نصبوا أنفسهم أنبياء وآل محمد أرباباً خالقين (2). وقد خرج بيان بن سمعان على خالد بن عبد الله القسري والي العراق في خلافة هشام بن عبد الملك وقتل
سنة 119 هـ.
،وعموماً، فإنّ نظرية الإمامة عند الشيعة مخالفة تماماً لنظرية الخوارج. فإذا كان الشيعة يرون أن الإمامة لا تكون إلا في بيت الرسول وأنه ليس من حق الأمة أن تختار من يحكمها بما أن الرسول قد اختار لها وأن طاعة الإمام واجبة لارتباطه بالنبي .. فإن الخوارج يرون أن الخلافة تُعقد لأفضل أبناء الأمة، وأن الخليفة لا يملك سلطات دينية ولا
صفات خارقة، وهو مسؤول عن أعماله وطاعته واجبة طالما التزم بتنفيذ ما تعهد به. أمّا إذا ظهر منه تهاون أو انحراف فيجب الخروج عليه وخلعه أو قتله، ولذلك كان تاريخهم حافلاً بالثورات ضد خلفائهم. وقد ذهب بعض الخوارج إلى حدّ القول بالبيعة المقترنة بشرط الخلع إذا توفّر الأفضل (3). وهكذا أحد الخوارج على دور الأمة في مسألة الإمامة، في حين أكد الشيعة على دور الإمام وجعلوه فوق الأمة ومنحوه كل السلطات الدينية
والدنيوية.
(3)
(1) وداد القاضي الكيسانية، ص 170 - 171. (2) يذكر البغدادي أن بيان بن سمعان قد ادعى الربوبية لنفسه إذ قال إنّ روح الله تناسخت في الأنبياء والأئمة حتى صارت إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ثم انتقلت إليه من أبي هاشم. ويضيف الطبري أنّ المغيرة بن سعيد كان يقول لو أردت أن أحيي عاداً أو ثموداً أو قروناً بين ذلك كثيراً لأحييتهم.:انظر تاريخ الطبري، ج 7، ص 128؛ البغدادي الفرق بين الفرق، ص 180؛ القمي، كتاب المقالات
والفرق، ص 55. (3) المصدر المنسوب للبلاذري، ج 11، ص 126.
246