حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧إلا أنّ هذا الاختلاف بين الشيعة والخوارج في مسألة الإمامة لم يمنع من اتفاق أقوالهم في بعض المسائل الأخرى. والظاهر أنّ هذا الاتفاق بدأ يبرز منذ انتفاضة زيد بن عليّ الخارج زمن هشام بن عبد الملك. فقد تبنّى زيد بعض المطالب السياسية التي كان الخوارج ينادون بها (1). وسينعكس هذا الاتفاق بعد ذلك فكريا بتبني الشيعة الزيدية مبدأ الخروج على الإمام الجائر (3)، وسلّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك، وتكفير مرتكبي الكبائر والحكم بتخليدهم في النار .. وهي أقوال تبناها الخوارج وتميزوا بها عن سائر المعارضين.
هذه هـ
هي
(2)
(3)
المسائل الرئيسية التي دار حولها جدل الخوارج والشيعة، وهي تكاد تقتصر في الفترة موضوع البحث على مسألة الإمامة. والواضح أن المبادئ الرئيسية للنظريتين قد ظهرت وتبلورت في تلك الفترة وجاءت متباينة تعكس تباين المواقف السياسية والمنطلقات الفكرية والتطور التاريخي للحركتين. ويجرّنا هذا الاستنتاج إلى التساؤل عن تأثير هذه الخلافات الفكرية والمذهبية على العلاقات بين أنصار الحركتين.
يبدو من خلال الإشارات القليلة المتوافرة أنّ الخلافات بين الخوارج والشيعة لم تخلق - رغم حدّتها - قطيعة تامة داخل المجتمع بين أتباع المذهبين. بل إن بعض العناصر من الأجيال الجديدة خاصةً تمكنت من تجاوز خلافاتها المذهبية وأقامت علاقات ودية في ما بينها. ويركز الرّواة في هذا الإطار على العلاقة الحميمة التي كانت تربط بين الشاعرين الخارجي الطرماح الطائي والشيعي الكميت (4). كما يذكر الاصفهاني زواج السيد الحميري الشاعر الشيعي المتعصب، بامرأة من الخوارج الإباضية زواج متعة. ورغم المعارضة الشديدة التي أبداها أهلها وتوعدهم إيّاها بالقتل فقد حافظ السيد الحميري على علاقته بهذه المرأة الإباضية مدة طويلة (5).
وقد لا تعطي هذه الأمثلة القليلة صورة صادقة عن طبيعة العلاقات التي كانت قائمة بين الشيعة والخوارج، لكن يمكن من خلالها القول إنّ أتباع المذهبين كانوا يتعاملون مع بعضهم بعضاً. فإذا كانت العناصر الملتزمة بل والمتعصبة من أمثال الطرماح والسيد الحميري قد تجاوزت العداوة وأقامت علاقات مع أتباع المذهب الآخر، فالأكيد أن العامة من أنصار المذهبين كانوا يتعاملون بسهولة أكبر مع بعضهم بعضاً ومع باقي المسلمين من
(1) انظر البرنامج السياسي لزيد بن علي في: تاريخ الطبري، ج 7، ص 172، 180 - 181. (2) ابن قتيبة المعارف، ص 623؛ الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 74. (3) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 74؛ البغدادي الفرق بين الفرق، ص 24. (4) الجاحظ البيان والتبيين، ج 1، ص 446 الاصفهاني، الأغاني، ج 16، ص 328 - 329. (5) الاصفهاني، الأغاني، ج 7، ص 256.
247