حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٤٩

وعثمان وتولت عليا فأفرطت فيه» (1). وتؤكد هذه الرواية على اقتضابها أمراً أساسيًا، وهو وجود صلة بين ظهور تيار الإرجاء وأقوال الخوارج تجعل وجود العلاقة بينهما أمراً حتميا. أما محتوى ردّ الحسن بن محمد على أقوال الخوارج والشيعة فقد أورد منه الذهبي مقتطفات ذكر أن الحسن كتبها في رسالة ضمنها موقفه من هذه المسألة (2). ومما جاء فيها قوله: «إننا نرضى من أئمتنا بأبي بكر وعمر أن يُطاعا ونسخط أن يعصيا ونرجيء أهل الفرقة، فإنّ أبا بكر وعمر لم تقتتل فيهما الأمة ولم تختلف فيهما الدعوة ولم يشك في أمرهما وإنما الإرجاء فيما غاب عن الرجال ولم يشهدوه (3).

ويُظهر القول المنسوب إلى الحسن أنّ الصدمة التي أحدثتها الفتنة وما تلاها من خلافات وصدور مواقف وأحكام تقييمية من قبل التيارات الموجودة قد دفع بعض المسلمين إلى الانكباب على إعادة قراءة الأحداث لفهمها وتقييمها والردّ على المواقف الصادرة بشأنها. وهو ما يؤكد قول هشام جعيط إنّ التيارات الكبرى الأرثوذكسية والهرطقية قد ولدت إمّا خلال الفتنة أو من جراء قراءة الفتنة» (4).

أما موقف الحسن في حدّ ذاته فلا يبدو جديداً رغم تأكيد الرواة أنه كان أول من تبناه. ففى إحدى الروايات يذكر سفيان بن عيينة أنّ «الإرجاء ظهر لأول مرة بمناسبة مقتل عثمان (5). . وينقل ابن عساكر رواية مشابهة يقول فيها إنّ بعض الصحابة منهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وزيد بن ثابت كانوا في المغازي، فلما قدموا المدينة بعد مقتل عثمان وجدوا الناس مختلفين يرى بعضهم أنّ عثماناً قتل ظلماً في حين يرى البعض الآخر أن عليّاً وأصحابه محقون فقالوا نحن لا نبرأ منهما ولا نلعنهما ولا نشهد عليهما ونرجيء أمرهما إلى الله وهو الذي يحكم بينهما (6). وقد دفعهم هذا الشك» إلى رفض البيعة لعلي واعتزال الفتنة والابتعاد كليا عن مسرح الأحداث، وقد أطلق عليهم اسم «المعتزلة» بسبب هذا الموقف (7). لكن إذا كان القول بإرجاء أمر المشاركين في الفتنة

(1) الذهبي، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 358. (2) نقل فان ايس النص الكامل للرسالة التي وضعها ابن الحنفية في الإرجاء وعلّق عليها. انظر: VAN ESS

(J)، «Das Kitab - Al-irg 'a de Hasan B. Muhammad B. Al Hanafiyya»، In: Arabica، noXXI، 1974، pp. 20 - 25.

(3) الذهبي، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 358 - 359.

DJAIT (H)، op. cit.، p. 162 (4)

(5) نقل هذه الرواية محمد الطالبي في مقاله حول الإرجاء انظر: TALBI (M)، Al-irga'، ou de la

théologie du salut à karirouan au IIIè/IXè siècle»، In: Etudes d'histoire frigiyenne et de civilisation médievale، Tunis، 1982، p. 362.

(6) نقل هذه الرواية: أحمد أمين فجر الإسلام، ص 279.

(7) تاريخ الطبري، ج 5، ص 58.

249