حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٥٠

إلى يوم القيامة قد ظهر منذ اللحظة الأولى للأزمة، فلماذا يؤكد الرواة أن الحسن هو أوّل المتكلمين في الإرجاء؟

يبدو أن موقف الحياد المنسوب لبعض الصحابة كان سياسيا بحتاً التزم به أصحابه من دون أن يحاولوا تبريره دينيًا أو فكريًا. لكن لما انتهت الفتنة وتحوّل الصراع السياسي إلى جدل ديني وظهر موقف الخوارج والشيعة برز هذا التيار القائل بتأجيل الحكم على علي وعثمان وكلّ المشاركين في الفتنة إلى يوم القيامة والظاهر أنّ الحسن هو أول من حاول تنظير هذه المسألة ولذلك اعتبره الرواة أول المتكلمين فيها. وقد كان موقف الحسن على ما يبدو المنطلق لنظرية المرجئة كما نجدها في كتب الفرق (1) والقائلة بعدم تكفير أي كان من المسلمين مهما ارتكب من أخطاء ما دام باقيا على إيمانه بالله، وإرجاء الحكم عليه إلى يوم القيامة (3). وهو قول سيوسع به المرجئة دائرة الإيمان لتشمل جميع المسلمين ويبررون أخطاء الجميع بمن في ذلك حكّام بني أمية، وهو ما جعل بعض أتباع التيارات الأخرى يتهمونهم بمناصرة السلطة الأموية (3).

(2)

ولم يكتف الحسن بن محمد بن الحنفية بتبنّي القول بالإرجاء، بل قام كذلك بنشاط كبير شمل المدينة مقر إقامته وبعض الأمصار الأخرى (4). فقد كانت له حلقة في جامع المدينة يجادل فيها المسلمين ويشرح لهم مرتكزات نظريته مثلما كان يفعل زعماء التيارات الأخرى والعلماء في العديد من الأمصار. كما قام بتأليف رسالته في الإرجاء وبنها في الأمصار وذلك بهدف نشر أفكاره على نطاق واسع. ويظهر أنه شارك بنفسه في هذه العملية، إذ ينقل الذهبي عن عبد الرحمن بن أيمن قوله: كان الحسن إذا قدم مكة نزل على أبي فيجتمع إليه إخوانه فيقول لي: اقرأ عليهم هذه الرسالة فكنت أقرأها). ولئن لم تذكر المصادر نتيجة هذا النشاط المكلّف، فالأكيد أنّ العديد من المسلمين قد تأثروا بأفكار

(1) يؤكد ابن حجر أن الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان لم يعرّج عليه الحسن بن محمد بن الحنفية: انظر: ابن تجر، تهذيب التهذيب، ج 2، ص 321.

(2) تُنسب للشاعر المرجئي ثابت قطنة قصيدة طويلة عن هذه النظرية يقول فيها:

يا هند فاستمعي لي إن سيرتنا أن نعْبُدَ الله لم نشرك به أحَدًا ترجي الأمور إذا كانت مشبهة وتصدق القول فيمن جاز أو عَنَدًا المُسْلِمُون على الإسلام كُلّهمُ والمُشركون أشتوا في دينهم قدّدا ولا أرى أن ذنباً بالغ أحداً من الناس شركاً إذا ما وَحُدُوا الصّمّدًا (الاصفهاني، الأغاني، ج 14، ص 254).

(3) النوبختي، كتاب فرق الشيعة، ص 14؛ القمّي، كتاب المقالات والفرق، ص 5 - 6. (4) الذهبي، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 358.

(5) المصدر نفسه، ج 3، ص 358.

250