حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٥اتفاق على إدانة الخوارج وذلك لتوافر روايات لا تذكر لهم أي دور في التحكيم وأخرى تذكر رفضهم له منذ اللحظة الأولى إلى جانب تلك التي تتهمهم بفرض التحكيم على علي ثم رفضه. وهذا في حدّ ذاته كافٍ لعدم التسليم بمسؤولية القراء الكلية في وقوع التحكيم. إلا أنه يتضح لقارئ المقال أن الروايات التي تذكر رفض الخوارج للتحكيم ليست سوى واحدة انفرد بنقلها البلاذري في حين أن عدد الرّوايات التي تتهمهم كثيرة ونجدها في المصدرين الرئيسيين لحرب صفين وهما: وقعة صفين لنصر بن مزاحم وتاريخ الطبري. وتواتر هذه الروايات ووجودها في مصادر عديدة يجعل القارئ يميل إلى قبولها. ولئن لم يتوصل سليم النعيمي إلى نفي التهمة الموجهة إلى القرّاء الذين صاروا خوارج، فإليه يعود الفضل في إبراز الروايات التي لا تتهم القراء بقبول التحكيم، وتلك التي تذكر رفضهم له من البداية وهي روايات ظلت مغمورة لقلة عددها واقتضابها الشديد وعدم وجودها في المصادر كافة. ويعود عدم توصل النعيمي إلى نفي التهمة عن القرّاء إلى سبب أساسي وهو اقتصاره على تعديد الروايات من دون إعطاء أهمية كبيرة لرجال السند. ومن هنا فإن تركيز الاهتمام على أسانيد الروايات يُمكن أن يلقي مزيداً من الضوء على حقيقة موقف هذه المجموعة من التحكيم. إن المصادر الرئيسية لحرب صفين وهي: تاريخ الطبري والجزء الثاني من أنساب البلاذري، وكتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم توفّر روايات عديدة ومتناقضة عن حادثة رفع المصاحف والتحكيم ومصدر كل هذه الروايات إمّا الزهري أو الشعبي أو أبو مخنف أو عمرو بن شمر أو عمر بن سعد:
فأما رواية الزهري (ت) (124 هـ التي نقلها كل من الطبري والبلاذري فهي مقتضبة ولكنها واضحة، إذ هي لا تذكر للقرّاء أي دور لا في قبول التحكيم ولا في اختيار الحكم. ويبدو من خلالها أن قبول إيقاف الحرب وإجراء التحكيم كان رضوخاً لرأي أغلبية
العراقيين
(1)
(2)
وأمّا الشعبي (ت 103 هـ) فإنّه يذكر في الرّواية التي ينقلها نصر بن مزاحم عن عمرو بن شمر اللحظات الأولى التي تلت رفع المصاحف وردود الفعل داخل الجيش العراقي ثمّ الاستشارة التي قام بها علي قبل اتخاذ قرار وقف الحرب). ورغم أن الشعبي قد حرص على نقل مواقف مختلف الأطراف وآرائها في تلك اللحظات، فإنّه لم يذكر للقرّاء أي موقف، وهذا دليل على أنه لم تتمّ استشارتهم كمجموعة منفصلة عن القبائل لأنهم لم يكونوا كذلك إلا أثناء القتال عندما كان عليّ يضعهم في كتائب وحدهم أما خارج المعارك فكانوا منصهرين في قبائلهم المختلفة، لذلك لم تشملهم الاستشارة لاقتصارها على
2، ص
57،البلاذري، أنساب الأشراف، ج 2، (1) تاريخ الطبري، ج 5، ص (2) نصر بن مزاحم، وقعة صفين، ص 480 - 482.
0328 - 327
25