حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٦

الرؤساء، وأغلب القرّاء لا ينتمون إلى هذه الفئة. وممّا يؤكد أن هؤلاء لم يبرزوا ولم يقوموا بأي عمل قبل قبول علي التحكيم هو عدم تعرّض عمرو بن شمر لذكرهم لا في هذه الرواية فحسب بل في كل رواياته الأخرى المتعلقة بهذا الحدث أنه يعد أحد أبرز الرّواة لأحداث صفين نقل عنه نصر بن مزاحم العديد من الأخبار. لذلك لا يعقل أن يطلع على كل التفاصيل الخاصة بهذه المعركة من دون أن يكون له علم بدور القرّاء في إيقاف الحرب والتحكيم. ولا يمكن في هذا المجال أن نفترض أنه تعمّد إخفاء دورهم لأن هذا الإخباري معروف بتشيعه)، وبالتالي لا يمكن أن يخفي معلومات تتهم القرّاء الذين صاروا خوارج

(1)

صراحة بأنهم السبب فيما حلّ بعلي وبالعراقيين من مصائب نتيجة التحكيم. ما نستنتجه من خلال روايات الزهري والشعبي وعمرو بن شمر أنه لم يكن للقراء أي دور قبل قبول علي بن أبي طالب الهدنة، وقد يكونون بدورهم غير رافضين لفكرة إيقاف الحرب ولذلك جاء قرار علي تلبية لرغبة أغلبية العراقيين وليس نتيجة ضغط سُلط عليه من قبل مجموعة بعينها. إلا أن الاتصالات التي جرت بين علي ومعاوية واتفاق الطرفين على إجراء التحكيم هي التي أثارت بعض القرّاء ودفعتهم إلى رفضه، وهذا ما تؤكده رواية الشعبي الثانية التي ينقلها البلاذري وهي أكثر الروايات وضوحاً ودقة فيما يخص موقف القرّاء. يذكر الشعبي أن رفض القرّاء للتحكيم جاء مباشرة بعد اتفاق الطرفين على قبول إيقاف الحرب وقبل الخوض في التفاصيل الخاصة بعملية التحكيم. وقد كان الرافضون زهاء أربعة آلاف من ذوي بصائرهم والعباد منهم (3). وقد تكون هذه الرواية تكملة لرواية الشعبي المذكورة سابقاً والتي نقلها نصر بن مزاحم عن عمرو بن، شمر، لكن نصراً تعمّد تجزئتها بحيث لم يذكر منها إلا ما يتماشى مع ما نقله من روايات عن هذه الحادثة وخصوصاً مع روايتي أبي مخنف المناقضتين تماماً لما ذكره الشعبي والظاهر أن نصراً كان مطلعاً على حقيقة موقف القرّاء كما ورد على لسان الشعبي إذ نقل رواية مشابهة تؤكد رفضهم للتحكيم من البداية وتصديهم له قبل إنجازه (3). لكن إدراجه لهذه الرّواية بعد أخبار التحكيم وكتابة الوثيقة يجعل القارى يعتقد أن الرفض جاء بعد إنجاز التحكيم لا قبله.

(3)

(2)

أما أبو مخنف لوط بن يحيى (ت) 157 هـ فينفرد مع عمر بن سعد (ت 180 هـ) في تحميل القرّاء، الذين صاروا خوارج، مسؤولية إجبار عليّ على وقف القتال وقبول التحكيم واختيار أبي موسى الأشعري حَكَماً، وأخيراً رَفْضُ التحكيم والخروج على علي (4)

(1) فؤاد سركين تاريخ التراث العربي السعودية، 1983، مج 1، ج 2، ص 132.

(2) البلاذري، انساب الأشراف، ج

،2

(3) نصر بن مزاحم، وقعة صفين، ص

ص

497.

339.

(4) نجد النص الكامل لهذه الروايات في تاريخ الطبري، ج

ه، ص

48 - 51؛ وفي كتاب نصر بن

،مزاحم، وقعة صفين

ص

26