حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٧١(1)
عدم توصل الطرفين إلى اتفاق وافتراقهما جعلا هؤلاء الرواة يهملون ذكر هذا الخبر. أما خبر الخلاف بين شيبان وأصحابه الذي نشأ قبل ذلك فينفرد بذكره أبو عبيدة، مؤكداً أن سببه هو قرار شيبان الانسحاب من الموصل (1) خوفاً من جيوش مروان. ويبدو في هذا القول جانب من الصحة إذ من غير المستبعد أن يرفض بعض الخوارج الأسلوب الذي اعتمده شيبان في مواجهة مروان، وهو أسلوب التحصن والفرار عند الإحساس بالخطر، لأنهم لم يتعوّدوا الفرار من العدو بل كانوا يستميتون في القتال حتى وإن كانت هزيمتهم أكيدة تدفعهم إلى ذلك رغبتهم القوية في الاستشهاد.
وباختلاف كلمة الخوارج تفرّقوا إلا أن مجموعة شيبان ظلت تشكل على ما يبدو خطراً على مروان، لذلك أمر جيش ابن ضبارة بتتبعها إلى حين زوال خطرها. أما دخول هذه المجموعة في تحرّك عبد الله بن معاوية فهو مستبعد ولذلك لا يُمكن الحديث عن حصول تحول في علاقة هاتين الحركتين المعارضتين، إذ لم يتمكن الخوارج والشيعة على ما يبدو من تجاوز خلافاتهم ولم يقتنعوا بضرورة توحيد جهودهم لمواجهة عدوهم
المشترك.
،عموماً، يستنتج المتتبع لانتفاضة خوارج الجزيرة الفراتية أن اندلاعها قد ارتبط بالصراع على السلطة داخل البيت الأموي وانشغال الوالي مروان بن محمد بهذا الصراع. ورغم أن الانتفاضة ضمّت عناصر ومجموعات معارضة أخرى، فإنّها لم تنجح في القضاء على حكم مروان بن محمد ولا في تخليص المناطق التي سيطرت عليها من الحكم
الأموي.
وإذا كان فشل هذه الانتفاضة أمراً يدعو إلى الاستغراب باعتبار أن ميزان القوى كان لصالح الخوارج، فإنّ التتبع الدقيق لمراحلها وتصرفات قادتها يمكن أن يُعطي تفسيراً لهذا الفشل. فزعماء الخوارج - رغم ما أظهروه من نضج سياسي جسّدوه بدخولهم في تحالفات أطراف غير خارجية ومعادية للخوارج أحياناً - لم يظهروا خبرة في قيادة الانتفاضة ولم يحسنوا الاستفادة من الظروف الموضوعية الملائمة التي توافرت لها وذلك لعدم امتلاكهم لتنظيم محكم وخاصة لاستراتيجية عمل واضحة تضمن لهم الانتصار.
ويتجلّى ضعف قادة الانتفاضة على المستوى العسكري خاصةً من خلال عدم حرصهم على ضبط خطط عسكرية ملائمة، ولذلك لم يستطيعوا رغم اندفاعهم الكبير واستماتتهم أثناء المعارك تحقيق الانتصار. بل إن أسلوب الاستقتال الذي اعتمدوه هو الذي ساهم في فقدان الانتفاضة منذ المواجهات الأولى أكثر عناصرها حماساً وخاصة قائديها الكبيرين وهما: الضحاك الشيباني والخيبري، وتحوّلت القيادة إلى شيبان اليشكري الذي لم
(1) المصدر نفسه، ج 7، ص 353
271