حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٧٥

وقناعاتهم. وبذلك، فإن كل الذين يعتبرون الحكم الأموي ظالماً وبعيداً عن الحق يُمكنهم الانضمام إلى هذه الانتفاضة وتكون التسمية بذلك بمثابة الدعوة إلى كل مسلم للانخراط في هذه الحركة. ومما يؤكد أن جمع شتات المعارضين للحكم الأموي كان أحد أهداف الخوارج رفعهم كشعار أول: الدعوة إلى خلاف مروان وآل مروان (1)، وهو شعار عام يمكن أن يلتف حوله كل المعارضين من دون تمييز وعدد هؤلاء كان كبيراً في حضرموت

واليمن.

واستولى عبد الله بن يحيى بعد حضرموت على صنعاء التي فرّ واليها القاسم بن عمر الثقفي بعد فشله في التصدي لعبد الله بن يحيى ومقتل عدد كبير من أفراد جيشه وبخروج والي مروان صارت بلاد اليمن كلها تحت سيطرة الإباضية. ويركّز الرواة كثيراً عند سردهم لهذه الأحداث على تصرفات عبد الله بن يحيى وخصوصاً على الطريقة التي توخاها في معاملة الأعداء، فقد أمر أتباعه بأن لا يجهزوا على جريح ولا يتبعوا مدبراً كما منع أبرهة بن الصباح من ملاحقة المنهزمين من أهل صنعاء (2). ولم تقتصر هذه المعاملة الحسنة على عامة المسلمين بل شملت ممثلي الحكم الأموي كذلك، إذ أطلق عبد الله بن يحيى سراح الضحاك بن زمل خليفة القاسم بن عمر على صنعاء وإبراهيم بن جبلة بعد حبسهما عند دخوله المدينة، مؤكداً لهما أنه لم يحبسهما إلا لخوفه عليهما من العامة وقد خيرهما بين البقاء أو الرحيل فخرجا (3)

35

أن

وتؤكد هذه المعاملة مدى تسامح ابن يحيى واعتداله في معاملة أعدائه حتى من عملاء السلطة. ورغم أن الأصفهاني يذكر أن أصحاب ابن يحيى من الإباضية هم الذين نصحوه بالاقتداء بسيرة أسلافه الصالحين وعدم الغلو والغدر، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن رغبة عبد الله بن يحيى في جمع أكثر ما يمكن من المسلمين حوله جعله يبتعد عن كل ما من شأنه أن يثير استنكار السكان أو غضبهم، بالإضافة إلى ميله مثل غيره من الخوارج الجدد وخاصة من الإباضية إلى الاعتدال والابتعاد عن التطرف والعنف. ويؤكد كل الرواة بمن في ذلك الرواة من غير الخوارج اعتدال ابن يحيى وأصحابه وحسن سيرتهم وعدلهم في المناطق التي سيطروا عليها.

وألقى عبد الله بن يحيى في صنعاء خطبة ينفرد بنقلها الأصفهاني وتتضمّن المبادئ الأساسية التي يدعو إليها، وهي كتاب الله وسنّة نبيه وأداء الفرائض والرّضا بالحلال والحرام واليقين بالوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتبار الإسلام الدين الوحيد

(1) تاريخ الطبري، ج 7، ص 348 - 374.

(2) الشماخي كتاب السير، ص 99؛ الأصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 113 - 114.

(3) الاصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 114.

275