حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٨٣وتعتبر الهزيمة الثقيلة التي مُني بها الخوارج في تلك المعركة بداية النهاية بالنسبة لانتفاضتهم هذه. فرغم محاولة الفارين تنظيم صفوفهم باختيار قائد لهم هو حمانة، فإن ابن عطية التحق بهم إلى صنعاء وتمكن من القضاء عليهم (1)، ولئن لم تمنع هذه الهزائم المتتالية بعض العناصر الخارجية من القيام بتحركات ضد ابن عطية فإن تشتتها وانخفاض عدد المشاركين فيها قد جعل جيش الدولة ينجح في القضاء عليها والسيطرة على صنعاء وما حولها (2). وانتقل ابن عطية بعد ذلك إلى حضرموت التي التجأ إليها من تبقى من الإباضية والتفوا حول عامل عبد الله بن يحيى بها واستعدوا للمواجهة.
(2)
(4)
ويختلف الرواة في سرد تفاصيل المواجهات التي دارت بين الإباضية وجيش الدولة. فالدرجيني يذكر أن ابن عطية تحصن في قرية، فحاصره الخوارج أربعاً وعشرين ليلة. فلما طال الحصار وخاف على نفسه سألهم الصلح فصالحه الإباضية على أن يرد كل ما كان في عسكره مما أصاب من أموال المسلمين (3). أما الأصفهاني فينقل عن المدائني قوله إن ابن عطية هو الذي حاصر الثائرين بعد أن استولى على الحصن الذي جمعوا فيه مؤونتهم ولم يصالحهم إلا عند قدوم كتاب مروان يطلب فيه منه حضور الموسم وتبدو رواية الدرجيني غير مقبولة لتناقضها فهي تؤكد من جهة سيطرة ابن عطية على أموال الخوارج وأمتعتهم وتجعله من جهة ثانية مهدداً بخطر السقوط في أيديهم. كما لا تخلو رواية المدائني التي تُظهر التفوق الكلي لابن عطية من مبالغة. وتظهر شروط الصلح المتمثلة في قبول قائد جيش الدولة رد أموال الخوارج وتمكينهم من اختيار من يولّى أمرهم (5) أن ابن عطية قد حقق بعض الانتصارات على الإباضية، لكنه لم يتمكن من القضاء عليهم نهائيا وإزالة خطرهم، ولذلك قبل بتقديم بعض التنازلات لهم وقبلوا بدورهم بتركه يُغادر المنطقة. ويتأكد من خلال الشرط الثاني للصلح أن أول أهداف الثائرين كان التخلص من عمال بني أمية الذين استغلوهم وسلطوا عليهم شتّى أنواع القمع والاضطهاد. ورغم حصول الصلح بين ابن عطية وإباضية حضرموت، فإن عناصر خارجية من مراد وكندة وهمدان اعترضت ابن عطية وهو في طريقه إلى مكة وقتلته (6). واستغل عامل صنعاء
(1)،الاصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 148.
(2) ثار على ابن عطية رجل من حمير يُقال له يحيى بن عبد الله بن عمرو السباق؛ كما خرج عليه حميري آخر يُقال له يحيى بن كرب، الاصفهاني الأغاني، ج 23، ص 155؛ تاريخ خليفة بن خياط، ج 2، 1؛
ص 416.
(3) الدرجيني، كتاب المشائخ، ج 2، ص 261.
(4) الاصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 155 - 156.
(5) المصدر نفسه، ج 23، ص 156.
(6) الأصفهاني، الأغاني، ج 23، ص 156 - 157. أما الطبري، فيذكر أن الذين قتلوا بن عطية كانوا من
283