حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٨٧

للتصدي للأزد وحليفتها بكر بن وائل.

إلا أن التكتلات القبلية التي تكونت في خراسان لم تكن ناتجة عن هذه الهجرات المتتالية فحسب، بل عن عوامل أخرى أيضاً ارتبط بعضها بالوضع في الإقليم وبسياسة الدولة فيه، في حين ارتبط البعض الآخر بما كان يحدث في قلب الإمبراطورية من صراعات وفتن. لذلك يبقى فهم أسباب تكوّن هذه التكتلات رهناً بالتعرف على دوافعها وخلفياتها. يرد أول ذكر للصراع بين القبائل في خراسان في الأشهر الأولى لموت يزيد بن معاوية واندلاع الفتنة. وإذا كان هذا الصراع قد ارتبط بما عرفه العالم الإسلامي من اضطرابات وخاصة مدينة البصرة، فإنّ الوضع في خراسان قد ساهم بدوره في اندلاعه، إذ حاولت العناصر القبلية استغلال خروج الوالي سلم بن زياد للسيطرة على الإقليم، وكانت أعمال عبد الله بن خازم ومن معه من أبناء قيس وتميم سبباً في حصول مواجهات مع أبناء

بكر بن وائل

(1)

لكن الصراع لم يكن بدافع قبلي بحت بل كانت وراءه مصالح عبر عنها البكريون أنفسهم حين علموا بنوايا ابن خازم بقولهم: على ما يأكل هؤلاء خراسان دوننا؟» وأغاروا

على ثقله (2)

ويؤكد الصراع الذي اندلع داخل قبيلة تميم في الفترة نفسها أن الصراعات القبلية التي وقعت خلال سنوات الفتنة الثانية قد ارتبطت أساساً بالوضع في خراسان. وقد دفع تفشيها العرب إلى مطالبة الخليفة الجديد عبد الملك بن مروان بإرسال وال قرشي يكون فوق القبائل وفوق الصراعات (3).

ولئن توقفت الصراعات القبلية بعد هذه الفتنة ولم تظهر إلا في سنوات محدودة عند ضعف السلطة أو عند توقف الفتوحات، فإن التنافس بين القبائل العربية قد تواصل على امتداد الفترة المتبقية من الحكم الأموي. وقد ساهمت سياسة الدولة نفسها في تأجيجه، إذ إن الصراع القيسي - اليمني الذي دشنته معركة مرج راهط سنة 64 هـ، وكان إحدى نتائج الفتنة الثانية غدا عنصراً رئيسيًا في سياسة الدولة. وإذا كان بعض الخلفاء قد تمكنوا من التحكم في هذا الصراع، فإن العديد منهم مالوا إلى أحد الطرفين فغلبوا مجموعة قبلية على أخرى. وتقدم المصادر معلومات كثيرة عن التعصب القبلي لبعض الخلفاء وولاتهم.

،

ولم يكن اعتماد الدولة على إحدى القبائل يقتصر على إغداق الأموال على أبنائها أو توليتهم المناصب، بل كذلك تمكين الموظفين الجدد من محاسبة من سبقهم مع ما يصحب

(1) انظر تفاصيل هذا الصراع في: تاريخ الطبري، ج 5، ص 546 - 0548 (2) البلاذري، فتوح البلدان، ص 583.

(3) تاريخ الطبري، ج 6، ص 199 - 200؛ البلاذري، فتوح البلدان، ص 586.

287