حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٨٨

(1)

ذلك من تجاوزات خطيرة. وتزخر المصادر بالروايات التي تصف هذه الأعمال خاصةً في خلافة ابني عبد الملك: سليمان وهشام ومن الطبيعي أن تخلق هذه السياسة خلافات وأحقاداً بين القبائل خصوصاً في وسط حافظت فيه العلاقات القبلية على متانتها بحكم المحافظة على تنظيم الأخماس الذي يأخذ بعين الاعتبار قرابة القبائل سكناً ونسباً. ولم يُبق هذا التنظيم على متانة الروابط القبلية، فحسب بل كان على ما يبدو أحد أسباب العصبية. وقد أدرك عرب خراسان ذلك إذ أكدوا أسد القسري لما أراد أن ينزل العرب في بلخ على الأخماس: «إنهم يتعصبون»،

للوالي

فخلط

بينهم

(2)

ومن خلال ما تقدم يمكن القول إن العصبية التي كانت أحد أسباب التوتر في خراسان نتجت عن عدة عوامل، لعل أهمها سياسة الدولة في هذا الإقليم وما انجرّ عنها من تضارب في مصالح القبائل. لذلك يصعب ربطها بالعداوات القبلية القديمة كما يرى بعض المؤرخين وخصوصاً فلهوزن (3)

وقد ركز محمد عبد الحي شعبان على هذه المسألة وانتقد كل الذين نظروا إلى تاريخ العرب في تلك الفترة من وجهة نظر العصبيات القبلية وحدها (4). وأكد في المقابل على التحولات التي عرفها إقليم خراسان خلال الحكم الأموي والمرتبطة بطبيعة الاستقرار العربي وعلاقة الفاتحين بالسكان المحليين، معتبراً أنها تفسر أكثر من غيرها التوتر الذي ساد هذا الإقليم وأدى إلى اندلاع الصراع فيه في أواخر الحكم الأموي.

كانت بداية هذه التحولات إبان الفتنة الثانية لما اضطربت الأوضاع في كامل أنحاء الإمبراطورية وساد خراسان صراع بين أبناء تميم وبكر. فقد لزم بعض العرب في تلك الفترة الحياد، وبدأت مجموعة منهم تهتم ببعض الأنشطة الاقتصادية (5)، مستغلة توقف الفتوحات لمدة تزيد عن أربع عشرة سنة. وتوجد في الروايات إشارات إلى شروع بعض العرب في استغلال الأرض (6)، واستقرار العديد منهم في مرو والقرى المحيطة بها حتى إن بعضها

(1) تاريخ الطبري، ج 6، ص 506، ج 7، ص 47 - 49، 69؛ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 333؛ - ج 2، ابن الأعثم الكوفي، الفتوح، تحقيق نعيم زرزور، بيروت 1986، ج 7 - 8، ص 113، 151، 264 -

265

(2) تاريخ الطبري، ج 7، ص 41. (3) فلهوزن تاريخ الدولة العربية، ص 474. (4) شعبان الثورة العباسية، ص 105.

(5) شعبان صدر الإسلام والدولة الأموية، ص 193؛: BOSWORTH (CE)، Marw-Al-Shahidjan، In

E.I.2، Paris، 1991، T. VI، p. 605.

(6) ينقل الطبري رواية تؤكد اهتمام العرب باستغلال الأرض يذكر فيها أن التميميين تذمروا من الوالي

288