حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣القدرة على مواجهة نصر بن سيار بمن تبقى معه من الأنصار، رأى في انضمامه إلى شيبان دعماً لصفوفه بهذه المجموعة التي تشترك معه في العداء للأمويين. في حين وجد شيبان في انضمام ابن الجديع ومن معه إلى صفوفه فرصةً لدخول مرو ولعب دور في الصراع يمكن أن يكون مفيداً له ولأصحابه ولعل ما يؤكد هذا الافتراض انتقال شيبان إلى مرو مباشرة بعد
(1)
حصوله على بيعة ابن الجديع. وكان وصول ابن الكرماني بصحبة شيبان إلى مرو قد تزامن - كما ذكرنا سابقاً - مع بروز أبي مسلم الخراساني، قائد الحركة الشيعية، على الساحة السياسية. وبذلك دخل الصراع مرحلة جديدة تعددت فيها الأطراف وتغيرت فيها
المعطيات.
أخذ التحرك في خراسان نسقاً أكثر سرعة في تلك المرحلة، وبدأت مختلف الأطراف مناوراتها الدبلوماسية لكسب مزيد من الأنصار وإضعاف الأطراف الأخرى. وإذا كانت المصادر تقدم تفاصيل كثيرة عن تحركات مختلف الأطراف، فإنها تركّز بصورة خاصة على أبي مسلم الخراساني ونصر بن سيّار، في حين تبدو تحركات ابن الجديع وشيبان محدودة تكاد تقتصر على ردود الزعيمين على المقترحات التي ما انفك يتقدم بها إليهما كل من ابن سيار وأبي مسلم الخراساني.
ولا تكتفي المصادر بإظهار غياب المبادرات في صفوف هذه المجموعة، بل تبرز كذلك ضعف شيبان وتذبذب مواقفه وعدم قدرته على التحرك واتخاذ القرارات الحاسمة، وتجعله في أغلب الأحيان منقاداً إلى ابن الجديع أو ضحيّة لمؤامراته (3). حتى إن المتتبع لتحركاته يقتنع بأن قتله في نهاية الصراع على يدي أبي مسلم كان نتيجة حتمية لضعفه وفقدانه للتجربة والحنكة السياسية لا بل يحمّله بعض المسؤولية في هزيمة نصر وانتصار
الشيعة.
غير أن هذه الصورة السلبية التي تقدمها المصادر عن شيبان يصعب قبولها بسهولة. ويتطلب البحث عن مدى صحتها تتبع الأحداث وربطها بواقع المجموعة التي يترأسها شيبان من جهة وعلاقتها ببقية أطراف الصراع وميزان القوى من جهة أخرى. إن مما لا شك فيه أن الحلف الذي كوّنه شيبان مع ابن الجديع لم يكن قويا ومنسجماً لأنه يضم زعيمين لا يجمع بينهما سوى العداء لبني أمية. وهذا التحالف كان من الممكن أن ينجح لو اقتصر الصراع على عدوهما المشترك عامل بني أمية نصر بن سيّار، لكن ظهور مجموعة جديدة معادية لطرفي الصراع غير الوضع كليا.
وقد أدرك كل من أبي مسلم ونصر ضعف التحالف بين ابن الجديع وشيبان وحاول
(1) تاريخ خليفة بن خياط، ج 2، ص 410.
(2) مؤلف مجهول، أخبار الدولة العباسية، ص 294 - 295، 298 - 299، 308 - 309
293