حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٩٤أعدائه
سيّار من
(1)
كل منهما استغلاله لصالحه. فأما أبو مسلم فقد حرص - في إطار خطته الرامية إلى إضعاف من دون قتال - على موادعة ابن الجديع فحالفه واعترف له بالزعامة لكن عمل في الوقت نفسه على إبعاده عن نصر بإذكاء العداوة بينهما. وقد حقق هدفه هذا لكن ذلك لا يعود إلى انخداع زعيم اليمنية بوعوده الكاذبة كما يذكر الرواة وإنما لما كان يظهره نصر بن تصلب في مواقفه فهو لم يقبل التخلّي عن مركزه كممثل للسلطة الأموية وربط كل نظر في مطالب ابن الجديع بالقضاء على أبي مسلم، وهو ما لم يعد يقبله زعيم اليمنية بعد أن عزّز صفوفه بشيبان ومن معه وظهر عدو جديد يهدد خصمه نصر بن سيار. أما شيبان فلم يكن أبو مسلم في البداية حريصاً على جلبه إلى صفوفه، وقد يعود ذلك إلى اقتناعه بقوة ابن الجديع وقدرته على التأثير على شيبان كما قد يعود إلى رفضه المبدئي التعامل مع الخوارج بالنظر للعداوات القائمة بين التيارين الشيعي والخارجي. إلا أن
هذا الموقف لم يمنع أبا مسلم من العمل على إفشال كل محاولات التقارب بين شيبان ونصر بن سيّار
ويبدو نصر بدوره حريصاً على مهادنة ابن الجديع لاقتناعه بخطورة تحالفه مع أبي
(4)
(3)
مسلم. لكن موقف الرفض الذي اتخذه زعيم اليمنية دفعه إلى محاولة استمالة شيبان. ويذكر بعض الرواة أن أصحاب نصر هم الذين حرصوا على جلب شيبان إلى صفوفهم. وقد نجح نصر في إبرام هدنة مع شيبان (4)، لكن الرواة يختلفون في تحديد ظروفها وملابساتها. فالمدائني يؤكد أنها كانت نتيجة لما أظهره شيبان من استعداد كلّي لقبول دعوة نصر له للموادعة، ويذهب إلى حد القول إنه راسل نصراً لهذا الغرض (0). في حين يؤكد مؤلف أخبار الدولة العباسية رفض ابن سلمة كل تقارب مع نصر، ويجعل توقيع الهدنة نتيجة ضغط سُلّط عليه من قبل أحد الزعماء المنضمين إلى صفوفه وهو علي بن معقل الحنفي الذي كان معه خمسة وعشرون ألف رجل. وقد وصف شيبان هذا الضغط لابن الجديع بقوله: «إنّ علي بن معقل أقوى أيدينا، وإن خذلنا وصار مع نصر اشتدت شوكته (6). ولئن لم يركّز المدائني على هذه المسألة، فإنه يشير إلى أن يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني، أحد زعماء بكر البارزين في خراسان وفي مجموعة ابن الكرماني، قد نصح ابن الجديع
(1) تاريخ الطبري، ج 7، ص 364؛ مؤلّف مجهول، أخبار الدولة العباسية، ص 289 - 294. (2) مؤلف مجهول، أخبار الدولة العباسية، ص 297 - 298؛ تاريخ الطبري، ج 7، ص 364. (3) مؤلّف مجهول، أخبار الدولة العباسية، ص 294.
(4) تاريخ الطبري، ج 7، ص 365؛ مؤلف مجهول، أخبار الدولة العباسية، ص 295. (5) تاريخ الطبري، ج 7، ص 364.
(6) مؤلف مجهول، أخبار الدولة العباسية، ص 395 - 396.
294