حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦(3)
مرو بعد انضمام ابن الجديع إلى أبي مسلم ومفارقته له (1). في حين يتحدث صاحب مؤلف أخبار الدولة العباسية عن مؤامرة حاكها أبو مسلم ونفّذها ابن الجديع (2). أما قول شعبان إن شيبان خرج بأمر من ابن الجديع الذي عينه عاملاً له على سرخس فلم نجد في المصادر ما يؤيده. وبقطع النظر عن مدى صحة هذه الروايات فإن مما لا شك فيه أن لأبي مسلم ضلعاً في انسحاب شيبان من، مرو، لا لأنه المستفيد الوحيد من هذه العملية فحسب بل لأنها تتماشى مع خطته القاضية بإضعاف أعدائه وخاصة نصر بن سيار لتسهيل القضاء عليهم، وهو ما أكدته الأحداث اللاحقة.
يُمكن من خلال ما تقدّم القول إن شيبان بن سلمة الحروري بقبوله بيعة ابن الجديع الكرماني وانتقاله إلى مرو صار طرفاً في الصراع. لكن عند دخوله تغيرت الأوضاع بظهور أبي مسلم الخراساني. وقد انعكس هذا التغيير على وضع شيبان، فقد صار غير قادر على التحكم في الأطراف المكوّنة للتحالف الذي يقوده إذ ظهر تباين واضح بين مجموعتين يقود إحداهما ابن الجديع وتضم عناصر من أنصاره ولا سيما من الأزد، وهي التي واصلت تحركاتها ومناوراتها باستقلالية عن شيبان واختار زعيمها التقارب مع أبي مسلم بانتظار التخلص من نصر بن سيّار، في حين تتكون الثانية على ما يبدو من بكريين فضلوا مهادنة ابن سيار لتمكينه من القضاء على أبي مسلم وأصحابه والظاهر أن هذه المجموعة فضلت قيادة شيبان على قيادة ابن الكرماني، ولكنها حاولت في الوقت نفسه دفعه إلى تبني مواقفها. وقد نجحت في البداية في إقناعه بإبرام هدنة مع نصر رغم عدائه الشديد له لكن ابن الجديع أفشلها، وهو ما سهل على الشيعة إضعاف الطرفين قبل التخلص منهما.
إنّ هذا التأرجح في مواقف شيبان قد يعود إلى ضعفه ومحدودية خبرته في الميدان السياسي وافتقاره إلى الدهاء. ولكن عدم امتلاكه لقاعدة قوية يستند عليها وتمكنه من فرض مواقفه على المتحالفين معه يبقى العامل الأساسي لهذا التأرجح. ولذلك تحوّل إلى أداة طيّعة في يدي مجموعتين تقودهما أطماع شخصية ومصالح قبليّة، وقبل بالتالي التقارب مع أطراف بينها وبين الخوارج عداء عميق.
و تطرح مواقف شيبان خلال هذا الصراع مسألة أساسية، وهي مدى التزام هذا الخارجي بمبادئ الحركة وخاصة موقف المشاركين معه في الانتفاضة من أعماله ومما أبرمه أثناء الصراع من تحالفات.
(1) تاريخ الطبري، ج 7، ص 385
(2) مؤلف، مجهول، أخبار الدولة العباسية، ص 308 - 309.
(3) شعبان الثورة العباسية، ص 252 - 253.
296