حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٢٩٩

يطرح إشكالاً آخر حول علاقة شيبان بن سلمة بخوارج البصرة الذين يذكر ابن خياط وجود مجموعة منهم إلى جانبه (1). وإذا كان حلّ هذا الإشكال غير ممكن لغياب المعلومات، فإننا لا نستبعد وجود علاقة بين الخوارج في المنطقتين. فالبصرة التي صارت منذ بداية الحكم الأموي المركز الرئيسي للخوارج تحوّلت منذ الفتنة الثانية وتوقف النشاط العسكري فيها إلى قاعدة أيديولوجية لهم يستقرّ فيها علماؤهم وزعماء العديد من فرقهم ويقيم هؤلاء علاقات مع بعض الخوارج المنتشرين في أنحاء عديدة من الإمبراطورية إما في إطار تنظيم سياسي - ديني مثل الإباضية أو في إطار علاقات فكرية - دينية. وقد تكون هذه العلاقة التي دفعت بعض خوارج البصرة إلى الالتحاق بصفوف شيبان بن سلمة للمشاركة معه كما التحقت عناصر من الإباضية بعبد الله بن يحيى في اليمن

(2)

هي

أما مسألة ارتباط شيبان بالفكر الخارجي، فيمكن التعرّف عليها من خلال ما يُنسب إليه من مواقف وأعمال وبما أننا لا نملك من أخباره إلا ما يخص فترة الصراع، فإننا سنقتصر على هذه المرحلة رغم يقيننا بأن ما صدر عن شيبان خلالها من أقوال وما اتخذه من مواقف لا يعكس حقيقته كاملة.

يبدو من خلال التتبع الدقيق للروايات أن ما صدر عن هذا الزعيم من أقوال قليل جداً، ولا يوجد فيه ما يشير من بعيد أو قريب إلى ارتباطه بمبادئ الحركة الخارجية وشعاراتها. ولعلّ الإشارة الوحيدة التي تُظهر هذا الارتباط هي تلك التي وردت على لسان أبي مسلم الخراساني التي يبرّر فيها استحالة الاتفاق مع هذا الخارجي حيث يقول: إن أصل شيبان وما يدين به البراءة من علي بن أبي طالب (3). كما لا يظهر من خلال الروايات

ما يشير إلى تمسك شيبان بمبادئ الثعالية التي ينسبها مؤلفو كتب الفرق إليها (4) وعموماً، فإن المتتبع لأخبار الصراع في خراسان يبدو له شيبان كسائر المعارضين للحكم الأموي. ويترسخ هذا الاعتقاد إذا نظرنا إلى الأسلوب الذي اعتمده في التعامل مع مختلف الأطراف في هذا الصراع. فقد هادن الأمويين والشيعة أعداء الخوارج، ودخل في تحالفات سياسية مع أطراف تقودها مصالح وأطماع شخصية أو قبلية. ويختلف شيبان باعتماده هذا الأسلوب عن الخوارج الأوائل. فهؤلاء كانوا يرفضون مبدئيا الدخول في تحالفات مع المخالفين لهم، ويشترطون على من ينضم إلى صفوفهم أن

(1) تاريخ خليفة بن خياط، ج 2، ص 410.

(2) الاصفهاني الأغاني، ج 23، ص 112؛ الشماخي، كتاب السير، ص 98.

(3) مؤلّف مجهول، أخبار الدولة العباسية، ص 308.

(4) انظر مبادئ الثعالبة في الأشعري مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ص 97؛ البغدادي الفرق:

بين الفرق، ص 68.

299