حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٣٠٠يتبنّى مبادئهم ويلتزم بالدفاع عنها ولئن بدأ هذا الوضع يتغير في أواخر الحكم الأموي إذ قبل زعيم خوارج الجزيرة الفراتية الضحاك الشيباني الدخول في اللعبة السياسية وضم إلى صفوفه أطرافاً معارضة من البيت الأموي ومن اليمنية وغيرهم (1)، فإنه فرض عليهم شروطه واحتفظ بقيادة الانتفاضة بحيث لم يكن لهذه الأطراف دور كبير فيها.
(1)
أما على المستوى العسكري، فلا يبدو لشيبان دور كبير ولا يظهر تحمسه للقتال. ولا يذكر الرواة مشاركته الفعلية في المعارك التي كانت تدور بين حليفه الجديع بن عليّ الكرماني ونصر بن سيّار. ويغيب الحديث عن بطولات الخوارج وعن استبسالهم في المعارك وعن تلك الرغبة القوية في الاستشهاد التي تميزوا بها.
لم يكن شيبان غير متحمّس للقتال فحسب بل كان حريصاً على تجنّبه. وقد بدا ذلك بوضوح لما نصحه ابن الكرماني بالخروج من مرو إلى سرخس، فقد طلب منه أن يتوسط له لدى أبي مسلم حتى يكفّ عنه ولا يحاربه. وقد اشترط زعيم الشيعة مقابل ذلك أن يكتب بينه وبين شيبان كتاباً يتعهد فيه الطرفان بالمسالمة (2)
كما يختلف شيبان عن بقية الخوارج في حرصه على جمع الخراج. ويظهر من خلال الرواية التي ينقلها مؤلّف أخبار الدولة العباسية أن نجاح علي بن الجديع في إقناع شيبان بالخروج من مرو يعود إلى تركيزه على هذه المسألة (3).
وإجمالاً،
، تبدو الصورة التي رسمناها لشيبان بن سلمة من خلال المصادر غير مطابقة لتلك التي تقدمها المصادر ذاتها عن بقية الخوارج وخصوصاً الأوائل منهم. فمسعى شيبان يبدو سياسيا بالأساس، أما الجوانب الأخرى فهي بعيدة عن اهتماماته. وهذا لا يعني أن شيباناً لم يكن خارجيًا، فانتماؤه إلى هذا المذهب ثابت لا شك فيه. لكنه خارجي اقتنع على ما يبدو بضرورة الدخول في اللعبة السياسية والمشاركة في التخلص من الحكم الأموي. وبما أنه لا يملك قوة كبيرة فقد اضطر إلى التحالف مع أطراف أخرى من دون اعتبار لطبيعة هذه الأطراف ولا لميزان القوى المتحكم في الصراع.
?
وفي الحقيقة لا يتميّز شيبان في مواقفه كثيراً عن زعماء الحركات المعارضة الأخرى في تلك الفترة. فالرغبة في التخلص من الحكم الأموي قد أقحمتهم جميعاً في الصراع وجعلت البعد المذهبي والديني يضعف أو يغيب تماماً في مقابل طغيان الجانب السياسي والعسكري. وقد دخل الجميع في تحالفات مع أطراف لا تجمع بينها سوى الرغبة في إنهاء الحكم الأموي. وكان الانتصار في النهاية للطرف الأكثر قوة وتنظيماً وقدرةً على المناورة.
(1) تاريخ الطبري، ج 7، ص 327 - 347.
(2) مؤلف، مجهول، أخبار الدولة العباسية، ص 309 - 310. (3) المصدر نفسه، ص 309
300