حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٣٠٥

ويعود عمق التحولات في خراسان على ما يبدو إلى بعدها عن مركز الحركة وضعف الدعاية الخارجية فيها، وقلّة الخوارج وتشتتهم وانتماء عدد كبير منهم إلى الموالي الذين لم يکن انضمامهم إلى المذهب الخارجي سوى وسيلة للتعبير عن معارضتهم للحكم الأموي.

يتضح من خلال هذا الفصل أن أنشطة الخوارج العسكرية توقفت في العراق بعد الفتنة الثانية وعلى امتداد الحكم المرواني ومال أغلب من تبقى من الخوارج في هذا الإقليم إلى القعود لكن انشغال العديد من القعدة بالجدل ساهم في تطور الفكري الخارجي وانتشار مبادئه وتكوين أجيال جديدة من الخوارج. كما ساعدت تنقلات بعض العناصر الخارجية في إطار التجارة أو الفتوحات أو في إطار الدعوات المنظمة على نشر الفكر الخارجي في أقاليم الأطراف وخاصةً الجنوبية والغربية وظهور مجموعات خارجية عديدة. ولئن دفع تردّي الأوضاع في بعض المناطق العديد من العناصر والمجموعات الخارجية إلى الثورة، فإن تحركاتها تميزت بالضعف والتشتت وباستثناء خوارج المغرب لم ينجح البقية في التصدي للجيوش الأموية وإنهاء سيطرتها على مناطقهم. لكن أزمة البيت الأموي التي اندلعت إثر مقتل الوليد بن يزيد سنة 126 هـ أتاحت فرصة استغلها الخوارج في الجزيرة الفراتية واليمن وخراسان للقيام بانتفاضات شملت مناطق شاسعة وضمّت أعداداً ضخمة من الخوارج وغيرهم من المعارضين للحكم الأموي. غير أن توفّر الظروف الملائمة، وحماسة قادة الانتفاضات وقبول بعضهم الدخول في اللعبة السياسية مع أطراف مُعارضة أخرى، لم تكن كافية كلها للقضاء على الحكم الأموي، أو تخليص المناطق التي سيطر عليها الخوارج من هيمنته وإذا كانت أسباب فشل هذه الانتفاضات عديدة ومختلفة، فإن سببها الأساسي يبقى عدم امتلاك المجموعات الخارجية لتصور واضح لعمل سياسي وعسكري يضمن الانتصار على العدو، ويمكن من إقامة حكم بديل عنه. ولذلك غاب التنظيم المحكم عن هذه الانتفاضات، وطغى على أغلب المشاركين فيها الاندفاع والعفوية. لكن هذه التحركات الخارجية كلّفت - رغم فشلها - مروان الثاني خسائر كبيرة، وشغلته عن الاهتمام بالصراع في خراسان وفسحت بالتالي المجال أمام الشيعة للوصول إلى السلطة.

305