حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦الخاتمة
نخلص في خاتمة هذا الكتاب إلى أنّ الحركة الخارجية التي ظهرت خلال الفتنة الكبرى وارتبطت بالأحداث السياسية التي عاشتها الدولة الإسلامية، قد عرفت على امتداد الحكم الأموي تطورات عميقة غيّرت ملامحها وجعلتها تبدو عند وصول العباسيين إلى السلطة منقسمة إلى تيارات عديدة تفصل بين أتباعها مسافات شاسعة وخلافات دينية وفكرية عميقة.
تمّ هذا التطور على مراحل وارتبط بالأحداث الهامة التي عرفتها الدولة الإسلامية خلال الحكم الأموي، وبمختلف المحن والتجارب التي مرّت بها الحركة. ولئن تتبعنا هذا التطور على امتداد هذا الكتاب فإننا سنحاول في خاتمته الوقوف على أبرز مراحله وما طرأ خلالها من تحولات، محاولين إلقاء الضوء على بعض المشاكل التي برزت خلال البحث وما زالت تستحق مزيداً من التفكير.
انبثقت حركة الخوارج - كما هو معروف - من وسط قُرّاء الكوفة، وجمعت بالإضافة إلى الكوفيين أقلية بضرية. وخلافاً للحركات المعارضة الأخرى التي تكونت في فترات لاحقة، جاءت هذه الحركة منذ ظهورها مكتسبة لأبرز خصائصها، وهي شدة التمسك بالدين ورفض الموقف المخالف والثورة الدائمة.
ولم تقتصر هذه الصفات على العناصر القليلة المنحدرة من وسط القراء والمؤسسة للحركة، بل شملت أغلب المنضمين إلى صفوفها في السنوات الأولى. وجاء الجيل الثاني الذي تكوّن في البصرة أكثر تشدّداً من الزعماء الأوائل، لذلك انزلق تدريجيا إلى عنفٍ بلغ ذروته خلال الحكم السفياني وفي سنوات الفتنة الثانية. ولئن حصلت تطورات عميقة بعد هذه الفتنة، فإن المرحلة الأولى من تاريخ الحركة تبقى هامة جدا وإليها تعود أبرز المشاكل
المطروحة.
إن أولى المشاكل التي لا يمكن لمن يتتبع تاريخ الخوارج إلا أن يتوقف عندها هي هوية هذه الحركة: هل هي دينية بحتة كما يؤكد أتباعها وينظر إليها العديد من الرواة؟ أم هي مرتبطة بالميدان السياسي وتتمسك بالدين لتوظيفه في هذا الميدان كسائر الحركات
المعارضة التي ظهرت بعدها؟
306