حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٣٠٧إن دراسة الحركة الخارجية تُظهر بوضوح صفتها الدينية، ولا يمكن لمن يتتبع أخبارها ولا سيما في السنوات الأولى أن ينكر هذه الصفة. فالخوارج ثاروا ضد التحكيم لأنهم يرفضون إقحام العنصر السياسي في إدارة شؤون الأمة (1)، ويعتبرون القرآن المرجعية الأمة (1) الوحيدة لجميع المسلمين ويصرّون في الوقت نفسه على أن تأويلهم له هو الصحيح. ولذلك أطلق عليهم أعداؤهم منذ البداية لقب «المارقة».
وقد واصل الخوارج حرصهم على إخضاع كل المسائل التي يختلفون فيها مع السلطة أو بقية المسلمين للدين ورفضوا تبعاً لذلك كل المواقف المخالفة، ثم كفروا أصحابها واستحلّل المتشددون منهم قتلهم.
وتبرز شدة تمسك الخوارج بالدين وبالقرآن تحديداً من خلال الخطب والأشعار المنسوبة إليهم، كما يؤكد الرواة هذا التدين الشديد وينسبون إلى زعماء الحركة العديد من الصفات والخصال الإسلامية.
لكن الارتباط بالدين لا ينفي عن هذه الحركة صفتها السياسية. فهي قد ارتبطت بالقرّاء الذين ثاروا ضد سياسة عثمان وتجاوزاته واقترن ظهورها بحدث سياسي هو التحكيم. ثم ارتبطت كل أحكام الخوارج ومواقفهم في بداية الحكم الأموي بأحداث وأعمال سياسية. ويبدو ذلك جليًّا من خلال تركيز دعايتهم على ظلم الحكام وأكلهم الفيء وتعطيلهم الحدود وغيرها كما انشغل العديد منهم في تلك الفترة بالتفكير في مسائل سياسية تخص علاقتهم بالسلطة والطريقة المثلى للتعامل معها. وباستثناء المجالين السياسي والعسكري لا يذكر الرواة اهتمام الخوارج بمجالات أخرى في بداية الحكم الأموي. ورغم أن الخوارج كانوا ينظرون للمسائل السياسية ويحولونها بسرعة إلى قضايا دينية ويصوغون بعضها على شكل شعارات أو مبادئ تُظهر هذا البعد الديني مثل شعار: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنّ جذورها السياسية لا يمكن أن تغيب عن نظر الباحث. ولذلك فإننا نستطيع القول إنّ هذه الحركة دينية لتمسك أتباعها، وخصوصاً تمسك الأجيال الأولى منهم الشديد بالدين. لكن توظيفهم له في العمل السياسي قد أعطى هذه الحركة منذ
ظهورها صفة الحركة السياسية كذلك.
وقد اقترن تمسك الخوارج بالدين وإصرارهم على احتكاره بميلهم إلى الثورة والمخاطرة بأنفسهم، وهو ما أدى إلى مقتل عدد كبير منهم في المعارك أو أثناء العمليات الانتحارية ويطرح ميل هذه الجماعة إلى العنف تساؤلات عن أسبابه: فهل هو مرتبط بطبيعتهم، أي كما يقول فلهوزن بامتلاك بعضهم لغريزة سفك الدماء» (2)، أم أن ثقافتهم
DJAIT (H)، Op. cit.، p. 286. (1)
(2) فلهوزن أحزاب المعارضة، ص 122.
307