حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٣٠٨

التي لعب الدين دوراً كبيراً في تكوينها هي التي دفعتهم إلى ممارسة هذا العنف؟ أم لأن في هياكل السلطة والمجتمع خاصة في خلافة بني أمية ما كان يدعو إلى مثل هذا العنف أو

يبرره؟

إن ربط تشدّد الخوارج وسعيهم إلى الثورة بطبيعتهم وميلهم الغريزي إلى العنف لا يمكن قبوله لأنه لا يوجد في الروايات ما يدلّ على تميزهم عن سائر المسلمين الذين نبذ أغلبهم العنف ومالوا إلى السكينة. كما تؤكد أغلب الدراسات التي بحثت في علاقة العنف بالطبيعة البشرية أن الإنسان لا يملك سوى الاستعداد للعنف، وأن الظروف هي التي تكون السبب في انتقاله من مرحلة الاستعداد للعنف إلى الممارسة الفعلية للعنف.

ولا يمكن في هذا الإطار ربط سعي الخوارج الدائم إلى الثورة ببداوتهم كما ذهب إلى ذلك أغلب المؤرّخين، لأنه تبين من خلال البحث أن القرّاء الذين أسسوا الحركة لا يختلفون عن أصحابهم المنتمين إلى قبائل غير بدوية وممن صاروا من أصحاب علي ثم خضع أغلبهم للسلطة سوى في أنهم كانوا مهمشين في قبائلهم ولم تستطع السياسة التي توخاها علي بن أبي طالب استقطابهم وتمكينهم من لعب دور كما كانوا يرغبون لذلك سرعان ما خرجوا عليه ثم واصلوا ثوراتهم بعده. لكن إذا لم نجد في طبيعة الخوارج ولا في بداوتهم ما يفسّر سعيهم الدائم إلى الثورة، فهل في ثقافتهم تفسير لذلك؟

لقد كان الخوارج مثل سائر المسلمين متأثرين بقيم الجاهلية، فلما جاء الإسلام هذب عنفهم وسخره لخدمة الدولة والأمة الإسلامية. لكن انشغالهم المتواصل بالفتوحات عوّدهم على الموت، وزادتهم الفتنة - التي دشنت الحرب بين المسلمين - تعوّداً عليه واحتقاراً

له.

إلا أن التعوّد على الموت لم يؤد إلى دخول المسلمين في عنف عشوائي. فقد ظلت الحروب دائماً من أجل العقيدة أو من أجل مبادئ وأفكار ربطها أصحابها بالعقيدة، لذلك ظل القرآن دائماً حاضراً ومؤثراً. ولعل الأواصر المتينة التي ربطها الخوارج وخصوصاً الأوائل منهم مع القرآن قد جعلتهم أكثر تأثراً من غيرهم. به والظاهر أنهم وجدوا في آياته المشحونة بالعبارات التي تحثّ على الجهاد وترغب فيه وتمجد الشهداء وتعدهم بنعيم ما شجعهم على الثورة وأقنعهم بأن ما يقومون به جهاد يكون الموت في سبيله استشهاداً يضمن لهم الجنة ونعيمها. ويظهر هذا التأثير القوي للقرآن منذ البداية. فقد اعتبروا أنفسهم «أهل الحق، وسمّوا معاوية وأصحابه الفئة الباغية»، ثم أخرجوا من دائرة الإيمان كل مخالفيهم. وتؤكد أعمال

الجنة

308

DJAIT (H)، op. cit.، p. 377 (\)