حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٣٠٩

الخوارج وأحكامهم لكن إذا كان القرآن قد لعب دوراً في تكوين ذهنية الاستقتال لدى الخوارج، فالثابت أن عنفهم لم يكن عشوائيا في البداية وإنما ازداد تدريجيًا خلال الحكم الأموي وارتبط بعنف الدولة المسلّط عليهم. فقد أرهب عنف ولاة بني أمية قسماً من الخوارج ودفعهم إلى السكينة والهدوء، لكنه دفع في الوقت نفسه قسماً آخر إلى الرد عليه بعنف أقوى تجسد في تلك العمليات الانتحارية التي امتدت على كامل فترة الحكم السفياني واستهدفت عناصر من أعوان السلطة وعملائها ومسلمين أبرياء أحياناً. كما تجسّد في التنظير للاستعراض وقتل المخالفين وتبتيه كشكل من أشكال النضال.

تأثير الخطاب القرآني في نفوسهم كما تؤكده الأشعار المنسوبة إليهم.

إلا أن إرهاب السلطة وتأثير القرآن لا يفسّران وحدهما ميل بعض الخوارج إلى العنف، فالتحوّلات التي بدأ يعرفها المجتمع العربي الإسلامي بعد وصول الأمويين إلى الحكم قد تكون زادت بدورها في نقمتهم ودفعت العديد منهم إلى العنف. فقد أخضع ولاة بني أمية المسلمين لنفوذهم وأوكلوا لرؤساء القبائل مهمة التصدي لمن يخرج من أبناء قبائلهم حتى صار التضامن القبلي لا يلعب أي دور إذا تعلق الأمر بالمعارضين للسلطة، وهو ما أدى إلى سجن وقتل العديد من الخوارج. ولذلك لا نستبعد أن تكون هذه الوضعية قد دفعت العديد منهم إلى العنف تعبيراً عن استنكارهم لهذا الخضوع الكلي للسلطة وانتقاماً من المتواطئين معها. ولعلّ غياب العصبية القبلية لدى الخوارج قد ساعدتهم على القيام بعمليات عنف ضد أبناء قبائلهم من دون تردد.

وترتبط بمسألة تشدّد الخوارج وعنفهم مسألة أخرى لا تقل أهمية عنها وهي مدى سعي هؤلاء المعارضين إلى النجاح بعبارة أخرى: هل كان الخوارج من خلال تحركاتهم يفكرون في النجاح ويعملون على تحقيقه؟

إن المتتبع لتحركات الخوارج في الأشهر الأولى التي تلت ظهورهم يعسر عليه فهم نواياهم الحقيقية والغاية من خروجهم من الكوفة وتجمعهم في النهروان. لكن رفضهم كل مقترحات علي بن أبي طالب الهادفة إلى إرجاعهم إلى صفوفه وإصرارهم على مواجهة جيش الكوفة الضخم يؤكد أن التفكير في النجاح بمعنى الانتصار لم يكن يشغل أذهانهم. فكل ما كانوا يسعون إليه هو الدفاع عن موقفهم الرافض للتحكيم حتى لو كلفهم ذلك حياتهم، لأن الموت في سبيله يُعدّ استشهاداً. وقد أكدت التحركات التي تلت النهروان سعي الخوارج إلى الاستشهاد الذي ربطوه بالانتقام لضحايا النهر والتكفير عن الذنب الذي ارتكبه المنسحبون منهم من المعركة.

ولعلّ ما يؤكد عدم انشغال الخوارج في هذه المرحلة بالمستقبل وغياب التفكير في النجاح عدم الحرص على تنظيم صفوفهم أو التخطيط لتحركاتهم مع أن ذلك يُعدّ شرطاً

309