حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٣١

الأمة إلى مجموعتين وبدأت الخلافات تدبّ في صفوف الجيش العراقي نفسه؟ أم ستكون الشورى داخل المناطق الخاضعة لحكم عليّ وأغلب مسلميها في أعناقهم بيعة الخليفة الجديد؟ أم هي شورى وسط هذه الأقلية الرافضة للتحكيم؟ وفي هذه الحالة تكون العملية لا قيمة لها باعتبار أنّ بقية المسلمين لن يعترفوا بنتائجها

خواب تھے

إنّ كلّ ما ذكرناه سابقاً يجعلنا نستبعد إمكانية رفع هذا الشعار في حروراء. والظاهر أنه نُسب إليهم في فترة متأخرة لما صاروا يُنادون بالشورى وهذا الاحتمال غير مستبعد إذا عرفنا أن أبا مخنف هو الوحيد الناقل لهذه الرواية وأنه لا وجود في الروايات التي تنقل النقاشات التي دارت بين الحرورية وعليّ، أو بينهم وبين ابن عبّاس، ما يشير إلى طرح مسألة الشورى، بما في ذلك الروايات التي ينقلها أبو مخنف نفسه. ويصدق ما بيناه سابقاً بخصوص شعار الأمر شورى بعد الفتح على الشعار الثاني: وهو: البيعة الله عزّ وجلّ، فهو لا يقل عنه غموضاً والتباساً. أما شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فرغم شكنا في صحة رواية أبي مخنف بأكملها، فإننا لا نستبعد صدوره عن المجموعة في حروراء لأنه منذ الثورة على عثمان اعتبر بعض المعارضين أنّ ما يقومون به يدخل في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ يذكر سيف بن عمر أن المعارضين لعثمان دعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك. كما اعتبر أبو ذر الغفاري انتقاداته لسياسة عثمان داخلة في الإطار نفسه (1). وسيؤكد الرّافضون للتحكيم بصورة متواصلة على هذا المبدأ، وسيطالبون بتطبيقه حتى إنه سيصبح أحد الأركان الرئيسية للنظرية الخارجية التي ستتكوّن في الفترة اللاحقة.

ولا يعود التركيز على هذا المبدأ إلى كونه أحد المبادئ الإسلامية الواردة في القرآن والتي يتمسك القرّاء بتطبيقها في إطار حرصهم الشديد على تطبيق تعاليم الإسلام وإنّما كذلك لأنه اقتحم منذ الثورة على عثمان - كما بينا سابقاً - المجال السياسي، وهذا ما يفسّر الأهمية الكبيرة التي سيوليها له الحرورية وبقية المسلمين ولا سيما المعارضون منهم

للسلطة.

هذه إذن على الإجمال ما تميّزت به مرحلة حروراء على المستوى الفكري، ويبدو من خلالها أن الرافضين للتحكيم لا يملكون برنامجاً متكاملاً سوى اتفاقهم على رفض التحكيم وإصرارهم على مفارقة مخالفيهم برفض الإقامة معهم والمطالبة بتطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمّا على المستوى السياسي، فإن مرحلة حروراء ستكون.

(1) البلاذري، انساب الأشراف، ج 5، ص

00

31