حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٣٦المصر «القرية الظالم أهلها قبل أن تصبح دار الكفر» في فترة لاحقة (1)
وسيصبح الخروج ومفارقة المخالفين أحد المبادئ الأساسية لهذه الحركة، وإن كان محتواه سيتطوّر بتطوّر الأحداث بحيث لن يحمل معنى الابتعاد عن المكان ومفارقة الأعداء
نفسه، ومن
بقدر حمله معنى الثورة واعلان الحرب ضدّ السلطة حتّى داخل المصر نفسه، المبدأ ستأخذ المجموعة أشهر أسمائها وهو: «الخوارج».
(2)
هذا
كما يذكر الشعبي تبنّي المجموعة في هذه الفترة مبدأ آخر هو تكفير المخالف والبراءة منه. فبعد أن شمل التكفير في حروراء معاوية، وأنصاره صار بعد قرار إجراء التحكيم يشمل الخليفة والمساندين لهذه العملية، إذ ينقل البلاذري عن، قوله إن عليّاً لما أصرّ على ارسال أبي موسى للتحكيم انصرف الحرورية إلى منزل عبد الله بن وهب الراسبي وذكروا أمر الحَكَمين وكفّروا من رضي بالحكومة وبرؤوا من علي (2). وإذا كنا لا نستطيع تأكيد ما جاء في هذه الرواية بخصوص التكفير لعدم وجود روايات أخرى تؤيده، فإن ربط القرّاء مواقفهم السياسية بالدين سيدفعهم إلى تبنّي فكرة الخطأ الدّيني وتكفير من يخالفهم وسيستبيحون بناءً على ذلك محاربة بقيّة المسلمين وسيعتبرون ذلك واجباً مقدساً لأنـ أهل الحق ومن واجبهم الوقوف في وجه أهل الباطل ولو أدى ذلك إلى الموت. لا تكتسي فكرة الموت في سبيل الحق أو الاستشهاد الأهمية الكبيرة التي ستكتسبها في الفترة اللاحقة. فكل ما يرد على لسان الحرورية هو ذم الدنيا الفانية ورفضها والتحريض على طلب الحق (3)، وهي الأفكار التي ستتعمق في المستقبل وستؤدّي إلى تبلور مفهوم متميز للاستشهاد سيتبناه الخوارج ويعملون على تطبيقه خلال الحكم الأموي. وبرزت قبيل الخروج من الكوفة فكرة أخرى وهي ضرورة اختيار شخص يتولى أمر الجماعة ويقود تحرّكاتها. ولئن سبق للحروريّة أن اختاروا أميراً للصّلاة وآخر للحرب، فإنّ ما ميّز عملية الاختيار في تلك الفترة هو حصولها نتيجة اقتناع الجميع بأن نجاح أي تحرّك يتطلب وجود زعيم يتولّى عملية التنظيم والقيادة. وقد عبر أحد المتدخلين عن هذا الموقف بوضوح بقوله: يا قوم إنّ الرأي ما رأيتم، فولوا من شئتم فإنّه لا بد من عماد وسناد وراية تحقون بها وتعودون إليها (4). وسيحرص الحرورية ابتداءً من ذلك الحين على اختيار الزعيم الذي يقودهم قبل القيام بأي تحرّك حتى وإن كان لا يضمّ سوى بضعة أفراد. أما لقب
(4)
(1) ستظهر هذه التسميات في الفترة اللاحقة وبالتحديد إبّان الخلاف الذي ستعرفه الحركة مع اندلاع الفتنة
الثانية.
(2) البلاذري، أنساب الأشراف، ج 2،
ص
36
363
Vo
ص
،2
(3) المصدر نفسه، ج
(4) تاريخ الطبري، ج 5، ص