حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٣٨فأقدم عليّ لننظر في ذلك» (1). والخارجون في مصر لا علاقة لهم إطلاقاً بالرافضين للتحكيم في العراق وهذا ما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأن ارتباط التسمية بهذه الجماعة قد تمّ في فترة لاحقة. لكن الزواة الذين دوّنوا الأحداث في مرحلة متأخرة استعملوا في كلّ رواياتهم لقب الخوارج الذي صار اللقب الرسمي والمميز لهذه المجموعة من دون اعتبار لتاريخ ظهوره ويثبت بالرّجوع إلى خطب تلك الفترة ورسائلها وأشعارها أنّ استعماله لم يكن شائعاً، وقد وردت التسمية لأوّل مرّة على لسان الحرورية أنفسهم في نهاية خلافة معاوية بن أبي سفيان في أبيات من الشعر لعيسى بن فاتك الخطي (أو الحنطي يصف فيها انتصار مجموعة من الخوارج بقيادة أبي بلال على جيش البصرة يقول فيها:
ألفاً مُؤْمِنْ فِيمَا زَعَمْتُمْ ويَهْزِمُهُمْ باسِك أرْبَعُونَا كَذِبْتُمْ لَيْسَ ذَاكَ زَعَمْتُمْ وَلَكِنَّ الخَوَارِجَ مُؤمِنُونَ (2) وإذا كنا لا نستطيع من خلال هذه الأبيات تحديد تاريخ إطلاق التسمية على هذه المجموعة ولا الطرف الذي أطلقها عليها، فبإمكاننا القول إنّ التسمية قد حازت رضاهم ووجدوا فيها تعبيراً عن أحد مبادئهم وهو الخروج بمعنى الانفصال عن المخالفين والثورة، وهو المعنى ذاته الذي صارت تلك المجموعة تحمله خلال الحكم الأموي. إلا أن التسمية تحمل في بعض المصادر غير الخارجيّة معنى الخروج عن الدين. والظاهر أنّ أعداء الخوارج هم الذين أعطوها هذا المعنى المخالف لمعناها الأصلي، وهو المعنى نفسه الذي تحمله تسمية المارقة) (3) التي سيطلقونها عليهم بعد النهروان.
ورغم هذا التحوّل في معنى اللقب، فإنّه سينتشر وسيطغى على بقية ألقابهم بل سيصبح اللقب المميّز لهم. وقد فسّر نايف معروف سبب انتشاره بقوله: «إنّه لاقى الرّضا والقبول من الجميع. فقد أحبّه الخوارج لأنه يمثل خروجهم في سبيل الله، وأحبّه خصومهم لأنه يُخرجهم من دائرة الإسلام (4). لكن المتتبع للروايات يلاحظ أن الخوارج لا يستعملون هذا اللقب كثيراً في الخطب والأشعار المنسوبة إليهم، والظاهر أن ذلك يعود إلى التزييف الذي ألحقه أعداؤهم به.
ص
90
(4)
(1) تاريخ الطبري، ج 5، (2) البلاذري، أنساب الأشراف، تحقيق إحسان عبّاس، القسم الرابع، الجزء الأول، بيروت، 1979،
صر
A
183؛ المبرد الكامل، ص (3) أطلقت هذه التسمية في البداية على الخزيت بن راشد الناجي وجماعته الذين خرجوا على علي بعد التحكيم، لكنها صارت فيما بعد تطلق على الحرورية وهي التسمية المفضلة عند أنصار علي.
(4) نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي،
ص
194.
38