حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٤٢

(2)

أوصاك به أبوك وقال: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة) (1)، فقتله مسعر بن فدكي وباستثناء الشمّاخي، يتفق الرّواة على القول إنّ مقتل ابن الأرت كان السبب الأساسي لحرب النهروان. لكن الحادثة رغم أهميتها لم تكن على ما يبدو السبب الوحيد الذي أدّى إلى حصول المواجهة بين عليّ والحرورية كما تحاول المصادر تأكيده، لأنّ الرواة أنفسهم ينقلون أحداثاً جدت قبل النهروان تؤكّد أنّ فكرة القيام بهذه الحرب كانت مطروحة قبل وقوع عملية القتل التي ذهب ضحيتها ابن الأرت.

يذكر أبو مخنف أنّ عليا لما كان بصدد جمع المقاتلة والإعداد لحرب أهل الشام بلغه أن الناس يقولون لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم فإذا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلّين (3). وقد رفض عليّ هذا المقترح معتبراً أنّ محاربة معاوية وأهل الشّام أهم وأوكد، أما البلاذري فينقل عن الشعبي قوله إن عليا نهى أصحابه أن يسطوا على الخوارج حتى يحدثوا حدثاً (4). (4)

ويبدو من خلال هاتين الروايتين أنّ الرّغبة فى محاربة الحرورية قد وجدت لدى العراقيين قبل مقتل ابن الأرت وأنها راجت في صفوف المقاتلة حتى بلغت الخليفة نفسه. والظاهر أن هذه الرغبة بلغت عند بعضهم حدّ التفكير في السطو عليهم لدفعهم إلى ردّ الفعل والحصول بالتالي على حجّة تخوّلهم شن حرب ضدّهم. وتكفي هذه الادلة للقول إن خيوط الحرب ضد الحرورية كانت تحاك في الكوفة رغم أن هؤلاء لم يقوموا بأي عمل معادٍ للسلطة أو للمسلمين سوى إصرارهم على الانفصال عن المصر وعن بقية المسلمين والتجمع مع أصحابهم في مكان واحد. فما الذي دعا العراقيين إذن إلى اتخاذ هذا الموقف من الحرورية؟

يعود حرص العراقيين على البدء بمحاربة الحرورية على ما يبدو، إلى رغبتهم في تأجيل المواجهة مع الجيش الشامي التي كان عليّ يعدّ لها فآثار معركة صفين وأهوالها ومآسيها ما زالت حية في الأذهان وفي الواقع، ولذلك فهم لا يريدون حصولها ثانية ويسعون إلى تجنبها بترويج فكرة البدء بمحاربة الحرورية واعتبار ذلك ضرورة ملحة لإقناع علي بقبولها.

ولم يكن الخليفة نفسه رافضاً للفكرة، فهو يعتبر أن خروج هذه المجموعة وانفصالها عنه بوصفه الخليفة الشرعي نكثاً للبيعة وخروجاً عن الطاعة يستحق مرتكبوها الردع، وهو

(1) سورة آل عمران الآية 193.

(2) الشماخي، كتاب السير، ص

(3) تاريخ الطبري، ج 5، ص

070

01

(4) البلاذري، انساب الأشراف، ج 2،

367

42