حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٤٣

السبب الذي من أجله حارب الثالوث في الجمل ومعاوية في صفين. لكن عليا كان على عكس العراقيين يحبّذ تأجيل المواجهة مع الحرورية ريثما يخضع معاوية لأنه يمثل الخطر الأكبر على سلطته

كلّ هذا يؤكّد أنّ احتمال وقوع هذه الحرب كان أمراً وارداً إن لم نقل شبه مؤكد. ولذلك فإنّ عملية قتل ابن الأرت لما تمت دعمت موقف العراقيين الراغبين في الحرب وعجّلت بتنفيذها باعتبار أنها وفّرت لهم الحجّة.

هذه إذن هي الأسباب التي أدت إلى المواجهة بين عليّ والحرورية. وإذا كان ما ذكرناه عن رغبة العراقيين في شنّ هذه الحرب قبل قتل ابن الأرت غير واضح من خلال الرّوايات، فهذا يعود على ما يبدو إلى تعمّد الرّواة التقليل من شأن هذا الدور مقابل تفخيم عملية القتل وإبراز بشاعتها لتبرير المجزرة الرهيبة التي ارتكبها علي في حق

الحرورية.

تكتسي عملية القتل في حدّ ذاتها أهمية كبيرة لأنّها أوّل عملية قتل تقوم بها عناصر من هذه المجموعة، وأوّل عملية قتل يتعرض لها مسلم على أيدي مسلمين بسبب آرائه ومواقفه الأحداث السياسية. وهو ما يدفعنا إلى التركيز عليها لمحاولة فهم خلفياتها وتحديد موقف المجموعة منها.

من

يذكر الشماخي عن مقتل ابن الأرت أن أصحاب النهر أنكروا على ابن فدكي ما قام به وهموا بقتله ففرّ منهم وبرؤوا منه فخرج يستعرض النّاس، وقيل إنّه لقي أناساً من أهل خراسان حجّاجاً فضرب أعناقهم، ثم أتى المدائن فما شعر علي إلا وهو واقف على رأسه

فآمنه (1)

(2)

أمّا الزواة من غير الخوارج فيذكرون أنّ ابن فدكي ومن معه من حرورية البصرة التحقوا بأصحابهم في النهروان وانضموا إليهم، وقد تبنّى الجميع عملية القتل وتجنّدوا للدفاع عن مرتكبيها. وقد ظلّ ابن فدكي مع أصحابه ولم ينفصل عنهم إلا قبل المعركة بقليل لما التجأ إلى راية الأمان التي رفعها علي بن أبي طالب قبل بدء القتال بلحظات (2). ونتبين من خلال ما تقدّم أن ما يذكره الشماخي يبدو - رغم اختلافه مع الرّوايات الأخرى - مقبولاً ومتماشياً مع الأحداث إلى حد ما. فقوله إنّ أفراد المجموعة قد استنكروا - قتل ابن الأرت أمر غير مستبعد لأنه يتماشى مع سلوك الحرورية الذين - رغم إصرارهم على مفارقة مخالفيهم - لم يُنادوا إلى ذلك الحين بضرورة قتلهم وإن كان هذا لم يمنع بعضهم من القيام بأعمال عنف كان أكثرها حدّة طعن الأشرس بن عوف الشيباني ابن عمه عدي بن

?

(1) الشمّاخي كتاب السير، ص 51.

(2) البلاذري، انساب الأشراف، ج 2، ص 371

43