حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٤٤حرث الشيباني
(1)
وقد يكون من بين هذه الأعمال قتل ابن فدكي وبعض أصحابه لابن الأرت إلا أنّ عنف هذه العملية قد جعل العديد من أفراد الحركة يستنكرونها ويدعم هذا الافتراض غياب ابن فدكي كلياً عن مسرح الأحداث بعد هذه الفترة وعدم مشاركته في أي تحرّك من تحرّكات الخوارج، اللاحقة، وإن كان يصعب تحديد زمن هذا الانسحاب بسبب التضارب الكبير بين الرّواية الخارجيّة والرّوايات الأخرى.
ويحملنا رفض العديد من الحرورية قتل ابن الأرت إلى التساؤل عن أسباب وقوع المعركة: ألأنّ المجموعة رفضت تسليم القتلة لعلي كما تذكر المصادر غير الخارجية؟ أم أنّ عليا كان مصمماً على قتالهم وأن مسألة قتل ابن الأرت لم تكن مطروحة كما يظهر من خلال
يعسر
الرواية الخارجية؟ يبدو من الصعب الإجابة على هذه التساؤلات لأنّ الرّوايات بشأنها متناقضة جدًّا ترجيح إحداها عن الأخرى. غير أننا مع ذلك لا نستبعد أن تكون عملية القتل قد لعبت دوراً أساسياً في المفاوضات التي سبقت المعركة وأنّ عليا استغلها لاخضاع الخوارج لسلطته. بقيت مسألة أخرى يكتنفها الغموض كذلك وتخص دوافع قتل ابن الأرت ومدى
صحة ما يذكره الرّواة عن استعراض الخوارج لهذا الصحابي قبل قتله. يتفق الرّواة على القول إن قتل ابن الأرت يُعزى إلى موقفه من النزاع الدائر بين علي ومعاوية، وهو موقف سأله عنه الخوارج في عملية استجواب طويلة. إلا إن ابن الأرت لم يكن الوحيد المتبنّي لهذا الموقف، فالعراقيون الذين يشاطرونه هذا الرأي كثيرون، والأكيد أن الخوارج قد اعترضوا وهم في طريقهم إلى النهروان عدداً كبيراً منهم، فلماذا لم يقوموا باستعراضهم وقتلهم جميعاً؟
يبدو من الصعب تحديد الأسباب التي جعلت ابن فدكي وأصحابه يقتلون ابن الأرت دون سواه خصوصاً وأن المصادر لا توفّر معلومات تفيدنا في الإجابة على السؤال، وهو ما يجعلنا نفترض حصول مشادات بينه وبين حروريّة البصرة على غرار ما حدث للمجموعات الأخرى كانت هي السبب في قتله. أما عملية الاستعراض بمعنى الاستجواب، فالأقرب أنّها لم تقع لأنّ التنظير للاستعراض وتبنيه كشكل من أشكال النضال ضد المخالفين لم يقع إلا في خلافة معاوية وهو ما تؤكده جلّ المصادر. ولعلّ تأخر الزواة في تسجيل الأحداث هو ما جعلهم يقحمون عملية الاستعراض مع القتل لأنّ الخوارج صاروا يقومون بذلك في الخلافة
الأموية. تلك هي بعض ملابسات عملية مقتل عبد الله بن خباب بن الأرت التي ستكون السبب
ص 361
(1) المصدر نفسه، ج 2، ص
44